تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٩٨ - سنه خمس و ستين
فأكثرنا الجراح، و أصبنا لهم دواب، و خرجوا عن عسكرهم و خلوه لنا، فأخذنا منه ما خف علينا، فصاح المسيب فينا: الرجعة، انكم قد نصرتم، و غنمتم و سلمتم، فانصرفوا، فانصرفنا حتى أتينا سليمان.
قال: فاتى الخبر عبيد الله بن زياد، فسرح إلينا الحصين بن نمير مسرعا حتى نزل في اثنى عشر ألفا، فخرجنا اليهم يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الاولى، فجعل سليمان بن صرد عبد الله بن سعد بن نفيل على ميمنته، و على ميسرته المسيب بن نجبه، و وقف هو في القلب، و جاء حصين بن نمير و قد عبا لنا جنده، فجعل على ميمنته جبله بن عبد الله، و على ميسرته ربيعه بن المخارق الغنوي ثم زحفوا إلينا، فلما دنوا دعونا الى الجماعه على عبد الملك بن مروان و الى الدخول في طاعته، و دعوناهم الى ان يدفعوا إلينا عبيد الله بن زياد فنقتله ببعض من قتل من إخواننا، و ان يخلعوا عبد الملك بن مروان، و الى ان يخرج من ببلادنا من آل ابن الزبير، ثم نرد هذا الأمر الى اهل بيت نبينا الذين آتانا الله من قبلهم بالنعمه و الكرامه، فأبى القوم و أبينا.
قال حميد بن مسلم: فحملت ميمنتنا على ميسرتهم و هزمتهم، و حملت ميسرتنا على ميمنتهم، و حمل سليمان في القلب على جماعتهم، فهزمناهم حتى اضطررناهم الى عسكرهم، فما زال الظفر لنا عليهم حتى حجز الليل بيننا و بينهم، ثم انصرفنا عنهم و قد حجزناهم في عسكرهم، فلما كان الغد صبحهم ابن ذي الكلاع في ثمانية آلاف، امدهم بهم عبيد الله ابن زياد، و بعث اليه يشتمه، و يقع فيه، و يقول: انما عملت عمل الاغمار، تضيع عسكرك و مسالحك! سر الى الحصين بن نمير حتى توافيه و هو على الناس، فجاءه، فغدوا علينا و غاديناهم، فقاتلناهم قتالا لم ير الشيب و المرد مثله قط يومنا كله، لا يحجز بيننا و بين القتال الا الصلاة حتى أمسينا فتحاجزنا، و قد و الله أكثروا فينا الجراح، و افشيناها فيهم، قال: و كان فينا قصاص ثلاثة: رفاعة بن شداد البجلي، و صحير بن حذيفة بن هلال بن مالك المري، و ابو الجويرية العبدى، فكان رفاعة يقص و يحضض الناس في الميمنه، لا يبرحها، و جرح ابو الجويرية اليوم الثانى في أول النهار، فلزم الرحال، و كان صحير ليلته كلها يدور