تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١١٥ - الخريت بن راشد و اظهاره الخلاف على على
بعد حق المسلم على المسلم ان ابن عمك كان منه ما قد ذكر لك، فأجد به، فاردد عليه رايه، و عظم عليه ما اتى، فانى خائف ان فارق امير المؤمنين ان يقتله نفسه و عشيرته فقال: جزاك الله خيرا من أخ! فقد نصحت و اشفقت، ان اراد صاحبي فراق امير المؤمنين فارقته و خالفته، و كنت أشد الناس عليه.
و انا بعد فانى خال به، و مشير عليه بطاعة امير المؤمنين و مناصحته و الإقامة معه، و في ذلك حظه و رشده.
فقمت من عنده، و اردت الرجوع الى امير المؤمنين لا علمه بالذي كان، ثم اطمأننت الى قول صاحبي، فرجعت الى منزلي فبت به ثم اصبحت، فلما ارتفع الضحى اتيت امير المؤمنين، فجلست عنده ساعه و انا اريد ان احدثه بالذي كان من قوله لي على خلوه، فاطلت الجلوس، فلم يزدد الناس الا كثره، فدنوت منه، فجلست وراءه، فاصغى الى باذنيه، فخبرته بما سمعت من الخريت بن راشد، و بما قلت له، و بما رد على، و بما كان من مقالتي لابن عمه، و بما رد على، فقال: دعه، فان عرف الحق و اقبل اليه عرفنا ذلك و قبلنا منه، و ان ابى طلبناه فقلت: يا امير المؤمنين، و لم لا تأخذه الان و تستوثق منه و تحبسه؟ فقال: انا لو فعلنا هذا بكل من نتهمه من الناس ملانا سجننا منهم، و لا أراه- يعنى الوثوب على الناس و الحبس و العقوبة- حتى يظهروا لنا الخلاف قال: فسكت عنه، و تنحيت، فجلست مع القوم.
ثم مكث ما شاء الله ثم انه قال: ادن منى، فدنوت منه، فقال لي مسرا: اذهب الى منزل الرجل فاعلم لي ما فعل، فانه كل يوم لم يكن يأتيني فيه الا قبل هذه الساعة فأتيت منزله، فإذا ليس في منزله منهم ديار، فدعوت على أبواب دور اخرى كان فيها طائفه من اصحابه، فإذا ليس فيها داع و لا مجيب، فرجعت فقال لي حين رآنى: وطنوا فآمنوا، أم جنبوا فظعنوا! [فقلت: بل ظعنوا فاعلنوا، فقال: قد فعلوها! بعدا لهم كما بعدت ثمود! اما لو قد اشرعت لهم الأسنة و صببت على هامهم السيوف،