تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٠٤ - ذكر ما كان فيها من الاحداث
طلب محمد حتى انتهى الى علوج في قارعه الطريق، فسألهم: هل مر بكم احد تنكرونه؟ فقال احدهم: لا و الله، الا انى دخلت تلك الخربه، فإذا انا برجل فيها جالس، فقال ابن حديج: هو هو و رب الكعبه، فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه، فاستخرجوه و قد كاد يموت عطشا، فاقبلوا به نحو فسطاط مصر قال: و وثب اخوه عبد الرحمن بن ابى بكر الى عمرو بن العاص- و كان في جنده فقال: ا تقتل أخي صبرا! ابعث الى معاويه بن حديج فانهه، فبعث اليه عمرو بن العاص يأمره ان يأتيه بمحمد بن ابى بكر، فقال معاويه: ا كذاك! قتلتم كنانه بن بشر و اخلى انا عن محمد بن ابى بكر! هيهات، «أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ».
فقال لهم محمد: اسقونى من الماء، قال له معاويه بن حديج: لا سقاه الله ان سقاك قطره ابدا! انكم منعتم عثمان ان يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما، فتلقاه الله بالرحيق المختوم، و الله لأقتلنك يا ابن ابى بكر فيسقيك الله الحميم و الغساق! قال له محمد: يا ابن اليهودية النساجه، ليس ذلك إليك و الى من ذكرت، انما ذلك الى الله عز و جل يسقى أولياءه، و يظمئ اعداءه، أنت و ضرباؤك و من تولاه، اما و الله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم منى هذا، قال له معاويه:
ا تدرى ما اصنع بك؟ ادخلك في جوف حمار، ثم احرقه عليك بالنار، فقال له محمد: ان فعلتم بي ذلك، فطالما فعل ذلك بأولياء الله! و انى لأرجو هذه النار التي تحرقني بها ان يجعلها الله على بردا و سلاما كما جعلها على خليله ابراهيم، و ان يجعلها عليك و على أوليائك كما جعلها على نمرود و اوليائه، ان الله يحرقك و من ذكرته قبل و امامك- يعنى معاويه، و هذا- و اشار الى عمرو بن العاص- بنار تلظى عليكم، كلما خبت زادها الله سعيرا قال له معاويه: انى انما اقتلك بعثمان، قال له محمد: و ما أنت و عثمان! ان عثمان عمل بالجور، و نبذ حكم القرآن، و قد قال الله تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ»، فنقمنا ذلك عليه فقتلناه، و حسنت