الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧١ - رحلة معبد إلى الأهواز و ما وقع بينه و بين الجواري المغنيات بالسفينة
أيّها العائب عندي هواها
أنت تفدي من أراك تعيب
- و الشعر لعبد الرحمن بن أبي بكر، و الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى البنصر- قال: فأخلّت ببعضه.
فقال لها معبد: يا جارية، لقد أخللت بهذا الصوت إخلالا شديدا. فغضب الرجل و قال له: ويلك! ما أنت و الغناء! أ لا تكفّ عن هذا الفضول! فأمسك. و غنّى الجواري مليّا، ثم غنّت إحداهنّ:
صوت
خليليّ عوجا فابكيا [١] ساعة معي
على الرّبع نقضي حاجة و نودّع
و لا تعجلاني أن ألمّ بدمنة
لعزّة لاحت لي ببيداء بلقع
و قولا لقلب قد سلا: راجع الهوى
و للعين: أذري من دموعك أو دعي
فلا عيش إلا مثل عيش مضى لنا
مصيفا أقمنا فيه من بعد مربع
- الشعر لكثيّر، و الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى، و فيه رمل للغريض- قال: فلم تصنع فيه شيئا. فقال لها معبد: يا هذه، أ ما تقوين [٢] على أداء صوت واحد؟ فغضب الرجل و قال له: ما أراك تدع هذا الفضول بوجه و لا حيلة! و أقسم باللّه لئن عاودت لأخرجنّك من السفينة، فأمسك معبد، حتى إذا سكتت/ الجواري سكتة اندفع يغنّي الصوت الأوّل حتى فرغ منه، فصاح الجواري: أحسنت و اللّه يا رجل! فأعده. فقال: لا و اللّه و لا كرامة. ثم اندفع يغنّي الثاني، فقلن لسيدهنّ: ويحك! هذا و اللّه أحسن الناس غناء، فسله أن يعيده علينا و لو مرّة واحدة لعلّنا نأخذه عنه، فإنه إن فاتنا لم نجد مثله أبدا. فقال: قد سمعتنّ سوء ردّه عليكنّ و أنا خائف مثله منه، و قد أسلفناه الإساءة، فاصبرن حتى نداريه. ثم غنّى الثالث، فزلزل عليهم الأرض. فوثب الرجل فخرج إليه و قبّل رأسه و قال: يا سيّدي/ أخطأنا عليك و لم نعرف موضعك. فقال له: فهبك لم تعرف موضعي، قد كان ينبغي لك أن تتثبّت و لا تسرع إليّ بسوء العشرة و جفاء القول. فقال له: قد أخطأت و أنا أعتذر إليك مما جرى، و أسألك أن تنزل اليّ و تختلط بي. فقال: أمّا الآن فلا. فلم يزل يرفق به حتى نزل إليه. فقال [٣] له الرجل: ممن أخذت هذا الغناء؟ قال: من بعض أهل الحجاز، فمن أين أخذه جواريك؟ فقال: أخذنه من جارية كانت لي ابتاعها رجل من أهل البصرة من مكة، و كانت قد أخذت عن أبي عبّاد معبد و عني بتخريجها، فكانت تحلّ منّي محلّ الروح من الجسد، ثم استأثر اللّه عزّ و جلّ بها، و بقي هؤلاء الجواري و هنّ من تعليمها، فأنا إلى الآن أتعصّب لمعبد و أفضّله على المغنّين جميعا و أفضّل صنعته على كل صنعة. فقال له معبد: أو إنك [٤] لأنت هو! أ فتعرفني؟ قال لا. قال: فصكّ [٥] معبد بيده صلعته ثم قال: فأنا و اللّه معبد، و إليك قدمت من الحجاز، و وافيت البصرة ساعة نزلت السفينة لأقصدك بالأهواز، و و اللّه لا قصّرت في جواريك هؤلاء، و لأجعلنّ لك في كلّ واحدة منهنّ خلفا من الماضية. فأكبّ الرجل و الجواري على يديه و رجليه يقبّلونها و يقولون: كتمتنا نفسك طول/ هذا
[١] في جميع الأصول: «عوجا منكما». و التصويب من نسخة «مسالك الأبصار» المخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٩٩ تاريخ م.
[٢] في أ، ت، ء، م: «أ ما تقومين».
[٣] في ت: «فقال: أيها الرجل».
[٤] في ت: «و إنك لأنت هو» بغير همزة الاستفهام.
[٥] صكّ: ضرب.