الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٢ - العرجي و كلابة مولاة عبد الله بن القاسم العبلى
قالت كلابة من هذا؟ فقلت لها
أنا الذي أنت من أعدائه زعموا
أنا امرؤ جدّ بي حبّ فأحرضني [١]
حتى بليت و حتى شفّني السّقم
لا تكليني إلى قوم لو انّهم
من بغضنا أطعموا الحمى إذا طعموا
و أنعمي نعمة تجزي بأحسنها
فطالما مسّني من أهلك النّعم
ستر المحبّين في الدنيا لعلّهم
أن يحدثوا توبة فيها إذا [٢] أثموا
هذي يميني رهن بالوفاء لكم
فارضي بها و لأنف الكاشح الرّغم [٣]
/ قالت رضيت و لكن جئت في قمر
هلّا [٤] تلبّثت حتى تدخل الظّلم
فبتّ أسقي بأكواس [٥] أعلّ بها
من بارد طاب منها الطّعم و النّسم [٦]
حتّى بدا ساطع للفجر نحسبه
سنى حريق بليل حين يضطرم
كغرّة الفرس المنسوب [٧] قد حسرت [٨]
عنه الجلال [٩] تلالا و هو يلتجم [١٠]
ودّعتهنّ و لا شيء يراجعني
إلا البنان و إلا الأعين السّجم [١١]
إذا أردن كلامي عنده اعترضت
من دونه عبرات فانثنى الكلم
تكاد إذ رمن نهضا للقيام معي
أعجازهنّ من الأنصاف تنقصم
قال: فسمع ابن القاسم العبليّ بالشّعر يغنّى به، و كان العرجيّ قد أعطاه جماعة من المغنّين/ و سألهم أن يغنّوا فيه، فصنعوا في أبيات منه عدّة ألحان، و قال: و اللّه لا أجد لهذه الأمة شيئا أبلغ من إيقاعها تحت التّهمة عند ابن القاسم ليقطع مأكلتها من ماله. قال: فلمّا سمع العبليّ بالشعر يغنّى به أخرج كلابة و اتّهمها، ثم أرسل بها بعد زمان على بعير بين غرارتي بعر، فأحلفها بمكّة بين الرّكن و المقام إنّ العرجيّ كذب فيما قاله. فحلفت سبعين يمينا، فرضي عنها و ردّها. فكان بعد ذلك إذا سمع قول العرجيّ:
فطالما مسّني من أهلك النّعم
/ قال: كذب و اللّه ما مسّه ذلك قطّ. و قال إسحاق: و قد قيل: إنّ صاحب هذه القصيدة [و القصة] [١٢] أبو
[١] في ت: «فأجرضني» بالجيم. و قد تقدّم الكلام عليهما في الحاشية رقم ٣ ص ٢٨١ من هذا الجزء.
[٢] في ت، م، ء،: «و إن».
[٣] الرغم (مثلثة الراء مع سكون الغين): الذل و القسر؛ و أصله أن يلتصق أنفه بالرغام و هو التراب. و قد حرّك في الشعر للضرورة.
[٤] في م، ء: «ألّا» و هي بمعنى «هلّا».
[٥] كذا في الأصول. و الموجود في «كتب اللغة» جمعا لكأس أكؤس و كئاس و كئوس و كأسات. فلعله محرّف عن «أكواب».
[٦] النسم و النسيم: الريح الطيبة.
[٧] المنسوب: الأصيل الكريم.
[٨] حسر الشيء عن الشيء يحسره و يحسره فانحسر هنا: كشفه.
[٩] الجلال: جمع جلّ، و هو ما تلبسه الدابة لتصان به.
[١٠] ألجمت الفرس فالتجم أي ألبسته اللجام فلبسه.
[١١] السجم: جمع سجوم. و السجوم من العيون: الكثيرة سيلان الدمع.
[١٢] زيادة في ت.