الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٣ - عمر و ليلى بنت الحارث البكرية و ما قاله فيها من الشعر
لقي عمر بن أبي ربيعة ليلى بنت الحارث بن عمرو البكريّة و هي تسير على بغلة لها، و قد كان نسب بها، فقال: جعلني اللّه فداك! عرّجي هاهنا أسمعك بعض ما قلته فيك. قالت: أو قد فعلت؟ قال نعم! فوقفت و قالت:
هات. فأنشدها:
صوت
ألا يا ليل إنّ شفاء نفسي
نوالك إن بخلت فنوّلينا
و قد حضر الرّحيل و حان منّا
فراقك فانظري ما تأمرينا [١]
فقالت: آمرك بتقوى اللّه و إيثار طاعته و ترك ما أنت عليه. ثم صاحت ببغلتها و مضت.
و في هذين البيتين لابن سريج خفيق ثقيل بالوسطى عن يحيى المكيّ، و ذكر الهشاميّ أنه من منحوله إلى ابن سريج. و فيهما رمل طنبوري لأحمد بن صدقة.
/ أخبرني بذلك جحظة عنه. و أخبرني بهذا الخبر عبد اللّه بن محمد الرّازيّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن ابن الأعرابيّ: أنّ ليلى هذه كانت جالسة في المسجد الحرام، فرأت عمر بن أبي ربيعة، فوجّهت إليه مولى لها فجاءها به. فقالت له: يا ابن أبي ربيعة، حتّى متى لا تزال سادرا [٢] في حرم اللّه تشبّب بالنساء و تشيد بذكرهنّ! أ ما تخاف اللّه! قال: دعيني من ذاك و اسمعي ما قلت. قالت: و ما قلت؟ فأنشدها الأبيات المذكورة.
فقالت له القول الذي تقدّم أنها أجابته به. قال: و قال لها: اسمعي أيضا ما قلت فيك، ثم أنشدها قوله:
أمن الرّسم و أطلال الدّمن
عاد لي وجدي و عاودت الحزن [٣]
إنّ حبّي آل ليلى قاتلي [٤]
ظهر الحبّ بجسمي [٥] و بطن
يا أبا الحارث قلبي طائر [٦]
فأتمر أمر رشيد مؤتمن
التمس للقلب وصلا عندها [٧]
إنّ خير الوصل ما ليس يمنّ [٨]
[١] في «ديوانه» المطبوع بليپزج ذكر هذا البيت بعد بيت آخر هكذا:
أحنّ إذا رأيت جمال سعدى
و أبكي إن رأيت لها قرينا
و قد أفد الرحيل فقل لسعدى
لعمرك خبّري ما تأمرينا
[٢] السادر: الذي لا يهتم و لا يبالي ما صنع.
[٣] رواية هذا البيت في «ديوانه»:
من رسوم باليات و دمن
عاد لي همّي و عاودت ددن
و الددن كبدن: اللهو و اللعب، و مثله الدّد.
[٤] كذا في «ديوانه»، و في الأصل:
حبكم يا آل نعم قاتلي
[٥] في الأصل: «بقلبي». و قد تقدّمت روايته في صفحة ١٤٠ كما أثبتناه.
[٦] في «ديوانه»:
يا أبا الخطاب قلبي هائم
[٧] في «ديوانه»:
اطلبن لي صاح و صلا عندها
[٨] كذا في «الديوان». و معناه ما ليس يقطع؛ و منه قوله تعالى: (وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ).