الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩١ - شعر عمر الذي غنى فيه المغنون
كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: هذا شعر تهاميّ إذا أنجد [١] وجد البرد، حتى أنشد قوله:
/ رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت
فيضحى و أمّا بالعشيّ فيخصر
قليلا على ظهر المطيّة ظلّه
سوى ما نفى عنه الرداء المحبّر [٢]
و أعجبها من عيشها ظلّ غرفة
و ريّان ملتفّ الحدائق أخضر
و وال كفاها كلّ شيء يهمّها
فليست لشيء آخر الليل تسهر
فقال جرير: ما زال هذا القرشيّ يهذي حتى قال الشعر.
أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني أبو عبد اللّه اليماميّ قال حدّثني الأصمعيّ قال:
قال لي الرشيد: أنشدني أحسن ما قيل في رجل قد لوّحه [٣] السّفر، فأنشدته قول عمر بن أبي ربيعة:
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت
فيضحى و أمّا بالعشيّ فيخصر
أخا سفر جوّاب أرض تقاذفت
به فلوات فهو أشعث أغبر
... الأبيات كلّها. قال: فقال لي الرشيد: أنا و اللّه ذلك الرجل. قال: و هذا بعقب قدومه من بلاد الرّوم.
أخبرني الفضل بن الحباب الجمحيّ أبو خليفة في كتابه إليّ: قال حدّثنا محمد بن سلّام قال أخبرني شعيب بن صخر قال:
كان بين عائشة بنت طلحة و بين زوجها عمر بن عبيد اللّه بن معمر كلام، فسهرت ليلة فقالت: إن ابن أبي ربيعة لجاهل بليلتي هذه حيث/ يقول:
و وال كفاها كلّ شيء يهمّها
فليست لشيء آخر الليل تسهر
أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان قال حدّثني إسحاق عن المدائنيّ قال:
/ عرض يزيد بن معاوية جيش أهل الحرّة، فمرّ به رجل من أهل الشأم معه ترس [٤] خلق سمج، فنظر إليه يزيد و ضحك و قال له: ويحك! ترس عمر بن أبي ربيعة كان أحسن من ترسك. يريد قول عمر:
فكان مجنّي دون من كنت أتّقي
ثلاث شخوص كاعبان و معصر [٥]
أخبرنا جعفر بن قدامة قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك الخزاعيّ قال: سمع أبو الحارث جمّيز [٦] مغنّية تغنّي:
[١] كذا في ت، ح، ر، و كتاب «الموشح للمرزباني» المخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم ٣٢٩٣ أدب. و في سائر النسخ «أنشد».
[٢] المحبّر: المزيّن المحسّن.
[٣] لوّحه السفر: غيره.
[٤] الترس: صفحة من الفولاذ مستديرة تحمل للوقاية من السيف و نحوه. و الخلق (بالتحريك): البالي، يقال للمذكر و المؤنث؛ يقال:
ثوب خلق و جبّه خلق. و السمج (بسكون الميم و كسرها): القبيح.
[٥] المجن: الترس. و حذفت هاء التأنيث من العدد حملا على المعنى؛ لأنه أراد بالشخص المرأة. و الكاعب: التي نهد ثديها.
و المعصر: التي دخلت في عصر شبابها.
[٦] ورد في الأصول التي بأيدينا «جمين». قال في «القاموس» في مادة جمن: «و أبو الحارث جمين كقبّيط المدينيّ ضبطه المحدّثون بالنون، و الصواب بالزاي المعجمة؛ أنشد أبو بكر بن مقسم: