الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨٥ - عمر بن أبي ربيعة في مجلس ابن عباس بالمسجد الحرام و إنشاده شعره
الزّهريّ [١] قال: حدّثنا ابن أبي ثابت، و حدّثني به عليّ [٢] بن صالح بن الهيثم عن أبي هفّان عن إسحاق عن المسيّبيّ و الزّبيريّ و المدائنيّ و محمد بن سلّام، قالوا: قال أيّوب/ بن سيّار، و أخبرني به الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن الحسن المخزوميّ عن عبد العزيز بن عمران عن أيّوب بن سيّار عن عمر الركاء [٣] قال: بينا ابن عبّاس في المسجد الحرام و عنده نافع بن الأزرق و ناس من الخوارج يسألونه، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين مورّدين أو ممصّرين [٤] حتى دخل و جلس، فأقبل عليه ابن عباس فقال أنشدنا فأنشده:
أ من آل نعم أنت غاد فمبكر
غداة غد [٥] أم رائح فمهجّر
حتى أتى على آخرها. فأقبل عليه نافع بن الأزرق فقال: اللّه يا ابن عبّاس! إنّا نضرب إليك أكباد الإبل [٦] من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال و الحرام فتتثاقل عنّا، و يأتيك غلام [٧] مترف من مترفي قريش فينشدك:
/ رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت
فيخزى و أمّا بالعشىّ فيخسر
فقال: ليس هكذا قال. قال: فكيف قال؟ فقال: قال:
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت
فيضحى و أمّا بالعشىّ فيخصر [٨]
فقال: ما أراك إلا و قد [٩] حفظت البيت! قال: أجل! و إن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتك إيّاها. قال فإنّي أشاء، فأنشده القصيدة حتى أتى على آخرها. و في غير رواية عمر بن شبّة: أنّ ابن عباس أنشدها من أوّلها إلى آخرها،/ ثم أنشدها من آخرها إلى أوّلها مقلوبة، و ما سمعها قطّ إلا تلك المرّة صفحا [١٠]. قال: و هذا غاية الذكاء. فقال له بعضهم: ما رأيت أذكى منك قطّ. فقال: لكنّي ما رأيت قطّ أذكى من عليّ بن أبي طالب- عليه السّلام-. و كان ابن عباس يقول: ما سمعت شيئا قط إلا رويته، و إني لأسمع صوت النائحة فأسدّ أذنيّ كراهة أن أحفظ ما تقول. قال: و لامه بعض أصحابه في حفظ هذه القصيدة: «أ من آل نعم ...» فقال: إنّا نستجيدها [١١].
و قال الزّبير في خبره عن عمّه: فكان ابن عباس بعد ذلك كثيرا ما يقول: هل أحدث هذا المغيريّ شيئا بعدنا؟.
قال: و حدّثني عبد اللّه بن نافع بن ثابت قال:
[١] في ت: «الزبيري».
[٢] في ب، س، ح، ر: «بن أبي صالح». و قد تكرر ذكره كثيرا «علي بن صالح».
[٣] لم نعثر على هذا الاسم. و لعله مضاف إلى اسم موضع. و هو كما في ياقوت- بوزن كتاب- موضع عن ابن دريد، و ابن فارس بفتح الراء. أو لعله وصف له من ركا الأرض ركوا إذا حفرها.
[٤] قال أبو عبيد: الثياب الممصّرة: التي فيها شيء من صفرة ليست بالكثيرة.
[٥] في م، ء، أ، ب: «أو».
[٦] في ت، ح: «المطىّ».
[٧] لم توجد هذه الكلمة إلا في ح، ب.
[٨] يضحى: يظهر للشمس. و عارضت: قابلت. و الضمير فيه محذوف أي عارضته. و يخصر: يبرد.
[٩] كذا في ت. و في سائر النسخ: «إلا قد كنت حفظت ...».
[١٠] أي مرورا؛ يقال: صفحت الجيش على الأمير إذا أمررته عليه.
[١١] كذا في ت: و في سائر النسخ: «فقال: إنها أ من آل نعم، يستجيدها».