الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٩ - اعتداد أبي قطيفة بنسبه و هجوه عبد الملك بن مروان
هذا، فإنّي إنما اتخذته نزهة و ليس بمال. فلما مات آذن به الناس، فحملوه من قصره حتى دفن بالبقيع، و رواحل عمرو بن سعيد مناخة، فعزّاه الناس على قبره و ودّعوه، فكان هو أوّل من نعاه لمعاوية [١]، فتوجّع له و ترحّم عليه، ثم قال: هل ترك دينا؟ قال نعم. [قال: كم هو؟ قال] [٢] ثلاثمائة ألف [درهم] [٢]. قال: هي عليّ. قال: قد ظنّ ذلك و أمرني ألّا أقبله منك، و أن أعرض عليك بعض ماله فتبتاعه فيكون قضاء دينه منه. قال: فاعرض [عليّ] [٣].
قال: قصره بالعرصة. قال: قد أخذته بدينه. قال: هو لك على أن تحملها إلى المدينة و تجعلها بالوافية [٤]. قال:
نعم. فحملها له إلى المدينة و فرّقها في غرمائه، و كان أكثرها عدات [٥]. فأتاه شابّ من قريش بصكّ فيه عشرون ألف درهم بشهادة سعيد على نفسه و شهادة مولى له عليه. فأرسل إلى المولى فأقرأه الصّكّ، فلما قرأه بكى و قال:
نعم هذا خطّه و هذه شهادتي عليه. فقال له عمرو: من أين يكون لهذا الفتى عليه عشرون ألف درهم و إنما هو صعلوك من صعاليك قريش؟
قال: أخبرك عنه، مرّ سعيد بعد عزله، فاعترض له هذا الفتى و مشى معه حتى صار إلى منزله، فوقف له سعيد فقال: أ لك حاجة؟ قال: لا، إلّا أنّي رأيتك تمشي وحدك فأحببت أن أصل جناحك. فقال لي: ائتني بصحيفة، فأتيته بهذه، فكتب له على نفسه هذا الدّين و قال: إنك لم [٦] تصادف عندنا شيئا فخذ هذا،/ فإذا جاءنا شيء فأتنا.
فقال عمرو: لا جرم و اللّه لا يأخذها إلا بالوافية، أعطيه إيّاها، فدفع إليه عشرين ألف درهم وافية.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا الصّلت بن مسعود قال حدّثنا سفيان بن عيينة قال حدّثنا هارون [٧] المدائنيّ قال:
كان الرجل يأتي سعيد بن العاص يسأله فلا يكون عنده، فيقول: ما عندي، و لكن اكتب عليّ به، فيكتب عليه كتابا، فيقول: تروني [٨] أخذت منه ثمن هذا؟ لا، و لكنه يجيء فيسألني فينزو [٩] دم وجهه في وجهي فأكره ردّه.
فأتاه مولى لقريش بابن مولاه و هو غلام فقال: إنّ أبا هذا قد هلك و قد أردنا تزويجه. فقال: ما عندي، و لكن خذ ما شئت في أمانتي. فلما مات/ سعيد بن العاص جاء الرجل إلى عمرو بن سعيد فقال: إنّي أتيت أباك بابن فلان، و أخبره بالقصّة. فقال له عمرو: فكم أخذت؟ قال: عشرة آلاف. فأقبل عمرو على القوم فقال: من رأى أعجز من هذا! يقول له سعيد: خذ ما شئت في أمانتي فيأخذ عشرة آلاف! لو أخذت مائة ألف لأدّيتها عنك.
اعتداد أبي قطيفة بنسبه و هجوه عبد الملك بن مروان
أخبرني عمّي قال: حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن ابن الكلبيّ قال: قال أبو قطيفة- و كانت أمّه و أمّ
[١] في أ، م، ء، ب، س: «إلى معاوية» و كلاهما صحيح.
[٢] زيادة في ت.
[٣] زيادة في ب، س، ح، ر.
[٤] الدرهم الوافي درهم و أربعة دوانق، و الدانق: سدس الدرهم.
[٥] عطايا وعد بها.
[٦] كذا في ت، ح، ر. و في سائر النسخ: «لن» و هو لا يناسب المقام.
[٧] في ت، ح، ر: «أبو هارون» و لم نعثر في «كتب التراجم» على هارون أو أبي هارون المدائنيّ حتى نرجح إحدى الروايتين. و ما عثرنا عليه فيها هو أن موسى بن أبي عيسى الغفاريّ أبا هارون المدنيّ الحنّاط روى عنه سفيان بن عيينة، و هو مشهور بكنيته؛ فلعله هو.
[٨] في ب، س، ح، ر: «أ تروني» بذكر همزة الاستفهام.
[٩] كأن دم وجهه يثب في وجهي لشدّة احمراره خجلا من ذل السؤال. و في ب، س: «فيتردّد وجهه في وجهي ...».