الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٢
ذكر المائة الصوت المختارة
إجماع المغنين على اختيار الأصوات الثلاثة الشاملة لجميع نغم الغناء
أخبرنا أبو أحمد يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم قال حدّثني أبي قال:
حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أنّ أباه أخبره أنّ الرشيد- رحمة اللّه عليه- أمر المغنّين، و هم يومئذ متوافرون، أن يختاروا له ثلاثة أصوات من جميع الغناء، فأجمعوا على ثلاثة أصوات أنا أذكرها بعد هذا إن شاء اللّه.
قال إسحاق: فجرى هذا الحديث يوما و أنا عند أمير المؤمنين الواثق باللّه، فأمرني باختيار أصوات من الغناء القديم، فاخترت له من غناء أهل كل عصر ما اجتمع علماؤهم على براعته و إحكام صنعته، و نسبته إلى من شدا به، ثم نظرت إلى ما أحدث الناس بعد ممّن شاهدناه في عصرنا و قبيل ذلك، فاجتبيت منه ما كان مشبها لما تقدّم أو سالكا طريقه، فذكرته و لم أبخسه ما يجب له و إن كان قريب العهد؛ لأن الناس قد يتنازعون الصوت في كلّ حين و زمان، و إن كان السّبق للقدماء إلى كل إحسان.
و أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني هارون بن الحسن [١] بن سهل و أبو العبيس [٢] بن حمدون و ابن دقاق و هو محمد بن أحمد بن يحيى المعروف بابن دقاق بهذا الخبر، فزعم:
أن الرشيد أمر هؤلاء المغنّين أن يختاروا له مائة صوت فاختاروها، ثم أمرهم باختيار عشرة منها فاختاروها، ثم أمرهم أن يختاروا منها ثلاثة ففعلوا. و ذكر نحو ما ذكره يحيى بن عليّ، و وافقه في صوت من الثلاثة الأصوات،/ و خالفه في صوتين. و ذكر يحيى بن عليّ بإسناده المذكور أنّ منها لحن معبد في شعر أبي قطيفة و هو من خفيف الثّقيل الأوّل:
القصر فالنّخل فالجمّاء بينهما
أشهى إلى القلب [٣] من أبواب جيرون
و لحن ابن سريج في شعر عمر بن أبي ربيعة، و لحنه من الثّقيل الثاني:
تشكّى الكميت الجري لمّا جهدته
و بيّن لو يسطيع أن يتكلّما
و لحن ابن محرز في شعر نصيب، و هو من الثّقيل الثاني أيضا:
أهاج هواك المنزل المتقادم؟
نعم، و به ممّن شجاك [٤] معالم
[١] كذا في ت، ح، ر. و في سائر النسخ: «الحسين». و قد صححه الشنقيطي بهامش نسخته، و هو الوزير المعروف في خلافة المأمون و صهره في ابنته بوران. (انظر «تاريخ ابن جرير الطبريّ» طبع مدينة ليدن قسم ٣ ج ٤ ص ٢٩. ١ في حوادث سنة ٢٠٢ ه).
[٢] راجع الحاشية الرابعة ص ٩٦.
[٣] في ت، أ، م، ء: «النفس».
[٤] في ت، ر: «مما شجاك».