الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠ - الباعث لأبي الفرج على تأليف الكتاب
و غيره- من أن نأتي بكلّ ما أتى به المصنّفون و الرواة منها على كثرة حشوه و قلّة فائدته، و في هذا نقض ما شرطناه من إلغاء الحشو، أو أن [١] نأتي ببعض ذلك فينسب الكتاب إلى قصور عن مدى غيره. و كذلك تجري أخبار الشعراء. فلو أتينا بما غنّي به شعر شاعر منهم و لم نتجاوزه حتى نفرغ منه، لجرى هذا المجرى، و كانت للنفس عنه نبوة، و للقلب منه ملّة، و في طباع البشر محبة الانتقال من شيء إلى شيء، و الاستراحة من معهود إلى مستجدّ.
و كلّ منتقل إليه أشهى إلى النفس من المنتقل عنه، و المنتظر [٢] أغلب على القلب من الموجود. و إذا كان هذا هكذا، فما رتّبناه أحلى و أحسن، ليكون القارئ له بانتقاله من خبر إلى غيره، و من قصة إلى سواها، و من أخبار قديمة إلى محدثة، و مليك إلى سوقة، و جدّ إلى هزل، أنشط لقراءته و أشهى لتصفّح فنونه، لا سيّما و الذي ضمّنّاه إيّاه أحسن جنسه، و صفو ما ألّف في بابه، و لباب ما جمع في معناه.
و كلّ ما ذكرنا فيه من نسب الأغاني إلى أجناسها فعلى مذهب إسحاق بن إبراهيم الموصليّ و إن كانت رواية النسبة عن غيره؛ إذ كان مذهبه هو المأخوذ به اليوم دون/ [مذهب] [٣] من خالفه، مثل إبراهيم بن المهديّ، و مخارق و علّوية و عمرو بن بانة و محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر [٤] و من وافقهم؛ فإنهم يسمّون الثّقيل الأوّل و خفيفه الثقيل الثاني و خفيفه، و يسمّون الثقيل الثاني و خفيفه الثقيل الأوّل و خفيفه، و قد اطّرح ما قالوه الآن و ترك، و أخذ الناس بقول إسحاق.
الباعث لأبي الفرج على تأليف الكتاب
قال مؤلف هذا الكتاب: و الذي بعثني على تأليفه أنّ رئيسا من رؤسائنا كلّفني جمعه له، و عرّفني أنه بلغه أن الكتاب [٥] المنسوب إلى إسحاق مدفوع أن يكون من تأليفه، و هو مع ذلك قليل الفائدة، و أنه شاكّ في نسبته [٦]؛ لأن أكثر أصحاب إسحاق ينكرونه، و لأن ابنه حمّادا أعظم الناس إنكارا لذلك. و قد لعمري صدق فيما ذكره، و أصاب فيما أنكره.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: سمعت حمّادا يقول: ما ألّف أبي هذا الكتاب قطّ و لا رآه. و الدليل على ذلك أنّ أكثر أشعاره المنسوبة التي جمعت فيه إلى ما ذكر معها من الأخبار ما غنّى فيه أحد قطّ، و أنّ أكثر نسبه إلى المغنّين خطأ؛ و الذي ألّفه أبي من دواوين الغناء [٧] يدلّ على بطلان هذا الكتاب، و إنما وضعه ورّاق كان لأبي بعد وفاته، سوى الرّخصة [٨] التي هي أوّل الكتاب؛ فإن أبي- رحمه اللّه- ألّفها؛/ لأن أخبارها كلّها من روايتنا. هذا ما سمعته من أبي بكر حكاية [فحفظته] [٩] و اللفظ يزيد و ينقص.
[١] في الأصول: «و أن» تحريف.
[٢] في م، ء، أ: «و المبتكر».
[٣] زيادة في ت.
[٤] كذا يرد هذا الاسم في نسخة ط التي سيأتي وصفها في الجزء الثاني. و قد صححه كذلك بهذا الضبط الأستاذ الشنقيطي بهامش نسخته. و في ت، ح، ر: «بشخير» و في سائر النسخ: «شخير».
[٥] هو كتاب «الأغاني الكبير» كما في «فهرست ابن النديم» طبع ليبزج ص ١٤١.
[٦] كذا في ب، س. و في سائر النسخ: «نسبه».
[٧] كذا في أ، م، ء و فيهما عن نسخة أخرى «الشعراء». و في ت: «غنائهم». و في باقي النسخ: «غنائه».
[٨] قال في «الفهرست»: «و هذا الكتاب (يريد كتاب «الأغاني الكبير») يعرف في القديم بكتاب «الشركة»، و هو أحد عشر جزءا لكل جزء أوّل يعرف به؛ فالجزء الأول من الكتاب «الرخصة» و هو تأليف إسحاق لا شك فيه و لا خلف».
[٩] هذه الكلمة ساقطة من ب، س، ح، ر.