الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٨ - أبو حنيفة و جار له كان يغني بشعر العرجي
للعرجيّ، و كان/ فأفاء، فوقف عليه فأراد أن يتوجّع لما ناله و يدعو له، فلجلج لما كان في لسانه كما يفعل الفأفاء [١]. فقال له ابن غرير: عنّي، لا خرجت من فيك أبدا! فقال له الرجل: فمكانك [٢] إذا لا برحت منه أبدا.
قال: و مرّ به صبيان يلقطون النّوى، فوقفوا ينظرون إليه، فالتفت إلى ابن غرير و قال له: ما أعرف في الدنيا سخلين أشأم منّي و منك! إنّ هؤلاء الصّبيان لأهلهم عليهم في كلّ يوم على كلّ واحد منهم مدّ نوى، فقد تركوا لقطهم للنّوى، و قد وقفوا ينظرون إليّ و إليك و ينصرفون بغير شيء فيضربون، فيكون شؤمنا قد لحقهم.
قال: و قال العرجيّ في حبسه:
صوت
أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا
ليوم كريهة و سداد [٣] ثغر
و صبر [٤] عند معترك المنايا
و قد شرعت أسنّتها بنحري
أجرّر في الجوامع [٥] كلّ يوم
فيا للّه مظلمتي [٦] و صبري [٧]
كأنّي لم أكن فيهم وسيطا [٨]
و لم تك نسبتي في آل عمرو [٩]
أبو حنيفة و جار له كان يغني بشعر العرجيّ
أخبرني محمد بن زكريّا الصّحّاف [١٠] قال حدّثنا قعنب بن المحرز الباهليّ عن الأصمعيّ قال:
/ كان لأبي حنيفة جار بالكوفة يغنّي، فكان إذا انصرف و قد سكر يغنّي في غرفته، و يسمع أبو حنيفة غناءه فيعجبه. و كان كثيرا ما يغنّي:
أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا
ليوم كريهة و سداد ثغر
فلقيه العسس ليلة [١١] فأخذوه و حبس. ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة، فسأل عنه من غد فأخبر، فدعا بسواده [١٢]
[١] كذا في أكثر النسخ. و في ب، س: «الفأفاءة» و لعل التاء زيدت فيه للمبالغة.
[٢] في ت: «مكانك» من غير فاء.
[٣] سداد الثغر بالكسر: ما يسد به الثغر من خيل و رجال و غير ذلك من عدد الحرب.
[٤] في ت: «فصبرا عند معترك المنايا».
[٥] الجوامع: جمع جامعة و هي هنا الغل.
[٦] المظلمة بكسر اللام: الظلم.
[٧] الصبر: الحبس.
[٨] يقال: فلان وسيط في قومه، إذا كان أوسطهم نسبا و أرفعهم مجدا.
[٩] يريد عمرو بن عثمان بن عفان.
[١٠] الصحاف كشدّاد: بائع الصحف أو الذي يعملها.
[١١] العسس: جمع عاسّ، و هو الذي يطوف بالليل يحرس الناس و يكشف أهل الريبة.
[١٢] كان السواد شعارا لبني العباس، و كان أشياعهم يرتدونه؛ و لذلك سمّوا المسوّدة (بكسر الواو المشدّدة). و قد روى أبو الفرج في الجزء التاسع من «الأغاني»، طبع بلاق، في أخبار أبي دلامة و نسبه أن أبا جعفر المنصور أمر أصحابه بلبس السواد و قلانس طوال تدعم بعيدان من داخلها، و أن يعلقوا السيوف في المناطق و يكتبوا على ظهورهم: « (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). فدخل عليه أبو دلامة في هذا الزي، فقال له أبو جعفر: ما حالك؟ قال: شرّ حال، وجهي في نصفي و سيفي في استي و كتاب اللّه وراء