الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧٩ - نصيب و كثير و الأحوص في مجلس امرأة من بني أمية
للملوك، و أمّا أنا فقد قلت ما سمعت. فقلت له: إنّ الناس يزعمون أنك لا تحسن أن تهجو. فضحك ثم قال: أ فتراهم يقولون: إنّي لا [١] أحسن أن أمدح؟ فقلت لا. فقال: أ فما تراني أحسن أن أجعل مكان عافاك اللّه/ أخزاك اللّه؟ قال قلت بلى. قال: فإنّي رأيت الناس رجلين: إمّا رجل [٢] لم أسأله شيئا فلا ينبغي أن أهجوه فأظلمه، و إمّا رجل سألته فمنعني فنفسي كانت أحقّ بالهجاء، إذ سوّلت لي أن سأله و أن أطلب ما لديه.
نصيب و كثير و الأحوص في مجلس امرأة من بني أميّة
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني عبد اللّه بن إسماعيل بن أبي عبيد [٣] اللّه كاتب المهديّ قال: وجدت في كتاب أبي بخطّه: حدّثني أبو يوسف التّجيبيّ [٤] قال حدّثني إسماعيل بن المختار مولى آل طلحة و كان شيخا كبيرا قال:
حدّثني النّصيب أبو محجن أنه خرج هو و كثيّر و الأحوص غبّ يوم أمطرت فيه السماء، فقال: هل لكم في أن نركب جميعا فنسير حتّى نأتي العقيق فنمتّع فيه أبصارنا؟ فقالوا نعم. فركبوا أفضل ما يقدرون عليه من الدّوابّ، و لبسوا أحسن ما يقدرون عليه من الثياب، و تنكّروا ثم ساروا حتّى أتوا العقيق، فجعلوا يتصفّحون [٥] و يرون بعض ما يشتهون، حتّى رفع لهم سواد عظيم فأمّوه حتى أتوه، فإذا وصائف و رجال من الموالي و نساء بارزات، فسألنهم أن ينزلوا، فاستحيوا أن يجيبوهنّ من أوّل وهلة، فقالوا: لا نستطيع أو نمضي في حاجة لنا.
فحلّفنهم أن يرجعوا إليهنّ، ففعلوا و أتوهّن، فسألنهم النزول فنزلوا. و دخلت امرأة من النساء/ فاستأذنت لهم، فلم تلبث أن جاءت المرأة فقالت: ادخلوا. فدخلنا على امرأة جميلة برزة على فرش لها، فرحّبت و حيّت، و إذا كراسيّ موضوعة، فجلسنا جميعا في صفّ واحد كلّ إنسان على كرسيّ. فقالت: إن أحببتم أن ندعو بصبيّ لنا فنصيّحه و نعرك [٦] أذنه فعلنا، و إن شئتم بدأنا بالغداء [٧]. فقلنا: بل تدعين بالصبيّ و لن يفوتنا الغداء. فأومأت بيدها إلى بعض الخدم، فلم يكن إلا كلا و لا [٨] حتّى جاءت جارية جميلة قد
[١] في ح، ر: «أ فتراهم يقولون: إني أحسن أن أمدح فقلت: نعم».
[٢] كذا في أكثر النسخ: «رجل» بالرفع على أنه خبر لمبتدإ و محذوف و التقدير: هما إما رجل الخ و في ح، ر: إما رجلا بالنصب على أنه بدل مما قبله.
[٣] في ح، ر: «عبد اللّه بن أبي إسماعيل بن أبي عبد اللّه». و في م، ء، أ: «عبد اللّه بن إسماعيل بن أبي عبيد». و كلاهما تحريف، إذ هو أبو عبيد اللّه الدمشقي الحافظ معاوية بن عبيد اللّه بن يسار الأشعريّ كاتب المهديّ. (انظر «تهذيب التهذيب» في ترجمة معاوية بن صالح بن الوزير، و ابن جرير الطبريّ طبع أوروبا القسم الثالث ص ٣٥١ و ٣٥٢ و ٣٥٥).
[٤] نسبة إلى تجيب، و هي قبيلة من كندة. و التجيبيون أمهم تجيب بنت ثوبان بن سليم بن رها من مذحج. و في أ، ت: «الحسى» و في م: «الحسيّ». و في ء: «الحتبي». و لعل كل ذلك محرّف عن الحيني نسبة إلى مدينة حينة، ذكره الحافظ الذهبيّ و قال: لا أعرفه. (انظر «شرح القاموس» مادة حين).
[٥] تصفحت الشيء: نظرت إليه لأتعرّفه.
[٦] عرك الأذن: دلكها. و هي تقصد العود.
[٧] الغداء: طعام أوّل النهار ضدّ العشاء.
[٨] قال في «اللسان» (مادة لا): و العرب إذا أرادوا تقليل مدة فعل أو ظهور شيء خفي قالوا: كان نعله كلا، و ربما كرروا فقالوا: كلا و لا. و من الأول قوله:
أصاب خصاصة فبدا كليلا
كلا و انغلّ سائره انغلالا
و من الثاني:
يكون نزول القوم فيها كلا و لا