الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١٠ - مولد ابن سريج و وفاته و كيف اشتغل بالغناء بعد أن كان نائحا
يا عين
جودي بالدّموع السّفاح [١]
و ابكي على قتلى قريش البطاح [٢]
/ فاستحسن الناس ذلك منه، و كان أوّل ما ندب [٣] به.
قال ابن جامع: و حدّثني جماعة من شيوخ أهل مكة أنهم حدّثوا: أنّ سكينة بنت الحسين عليهما السّلام بعثت إلى ابن سريج بشعر أمرته أن يصوغ فيه لحنا يناح به، فصاغ فيه، و هو الآن داخل في غنائه. و الشعر:
يا أرض ويحك أكرمي أمواتي
فلقد ظفرت بسادتي و حماتي
فقدّمه ذلك عند أهل الحرمين على جميع ناحة مكة و المدينة و الطائف.
قال و حدّثني ابن جامع و ابن أبي الكنّات [٤] جميعا: أن سكينة [٥] بعثت إليه بمملوك لها يقال له عبد الملك، و أمرته أن يعلّمه النّياحة، فلم يزل يعلّمه مدّة طويلة، ثم توفّي عمّها أبو القاسم محمد بن الحنفيّة عليه السّلام، و كان ابن سريج عليلا علّة صعبة فلم يقدر على النّياحة. فقال لها عبدها عبد الملك: أنا أنوح لك نوحا أنسيك به نوح ابن سريج. قالت: أو تحسن ذاك؟ قال نعم. فأمرته/ فناح؛ فكان نوحه في الغاية من الجودة، و قال النساء: هذا نوح غريض؛ فلقّب عبد الملك الغريض. و أفاق ابن سريج من علّته بعد أيام و عرف خبر وفاة ابن الحنفيّة، فقال لهم:
فمن/ ناح عليه؟ قالوا: عبد الملك غلام سكينة. قال: فهل جوّز [٦] الناس نوحه؟ قالوا: نعم و قدّمه بعضهم عليك. فحلف ابن سريج ألّا ينوح بعد ذلك اليوم، و ترك النوح و عدل إلى الغناء، فلم ينح حتى ماتت حبابة [٧]،
[١] السفاح: جمع سافح من سفح الدمع سفحا و سفوحا و سفحانا: انصبّ. و يقال أيضا: سفحت العين الدمع سفحا و سفوحا، إذا أرسلته.
[٢] البطاح: جمع بطحاء. و البطحاء: مسيل فيه دقاق الحصى. و قريش البطاح كما قال ابن الأعرابي: الذين ينزلون الشعب بين أخشبي مكة، و قريش الظواهر: الذين ينزلون خارج الشعب، و أكرمهما قريش البطاح. و قال الزبير بن أبي بكر: قريش البطاح بنو كعب بن لؤيّ، و قريش الظواهر ما فوق ذلك، سكنوا البطحاء و الظواهر. و قبائل بني كعب منهم عديّ و جمح و سهم و تيم و مخزوم و زهرة و أسد و عبد مناف، كل هؤلاء قريش البطاح. و أما قريش الظواهر فهم بنو عامر بن لؤيّ؛ و إنما سموا بذلك لأن قريشا اقتسموا فأصاب الأوّلون البطحاء و أصاب الآخرون الظواهر. فهذا تعريف للقبائل لا للمواضع، فإن البطحاويين لو سكنوا الظواهر كانوا بطحاويين، و كذلك الظواهر لو كانوا سكنوا البطحاء كانوا ظواهر. و قد جمعا معا في قول الشاعر:
فلو شهدتني من قريش عصابة
قريش البطاح لا قريش الظواهر
و قد قيل بصيغة الجمع و ليس في مكة إلا بطحاء واحدة، لأن العرب تتوسع في كلامها و شعرها فتجعل الواحد جمعا و مثنى، و ينقلون الألقاب و يغيرونها لتستقيم لهم الأوزان، قال أبو تمام يمدح الواثق:
يسمو بك السفاح و المنصور و ال
مهديّ و المعصوم و المأمون
و أراد بالمعصوم المعتصم. و قال ابن نباته:
فأقام باللورين حولا كاملا
يترقب القدر الذي لم يقدر
و ما في البلاد إلا اللور المعروفة. و إذا صح بإجماع أهل اللغة أن البطحاء الأرض ذات الحصى، فكل قطعة من تلك الأرض بطحاء.
(انظر «ياقوت» في مادة البطاح و «ديوان» أبي تمام طبع مصر ص ٣٣٠).
[٣] كذا في ب، س، ح، ر. و في سائر النسخ: «فكان أوّل ما قدّم به».
[٤] لم نعثر على ضبطه، و قد ورد ذكره في نهاية «الأرب» للنويري في الجزء الرابع في ترجمته: «الكبات» بالباء. و الكنة: زوج الابن أو الأخ. و ستأتي ترجمته في الجزء السابع عشر من «الأغاني».
[٥] تقدم في ص ٢١١ من هذا الجزء: أن الثريا بنت عليّ بن عبد اللّه بن الحارث هي التي ربّت الغريض المغنّي و علمته النوح بالمراثي على من قتله يزيد بن معاوية من أهلها يوم الحرّة.
[٦] أي أساغوا له ذلك و ارتضوه.
[٧] ضبط في «الكامل» لابن الأثير طبع بولاق جزء ٥ صفحة ٥٠ سطر ٣ بتخفيف الباء الموحدة، إذ يقول: سلامة بتشديد اللام، و حبابة بتخفيف الباء الموحدة، و ذلك في ذكره لسيرة يزيد بن عبد الملك. و في ترجمة حبابة في الجزء الثالث عشر من «الأغاني» شعر يدل-