الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٥ - قصة عمر مع هند بنت الحارث المرية و ما قاله فيها من الشعر
و أخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان [١] قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن محمد بن أبان قال أخبرني العتبيّ عن أبي زيد الزّبيريّ عن عثمان بن إبراهيم الخاطبيّ قال:
أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنين و هو في مجلس قومه من بني مخزوم، فانتظرت حتى تفرّق القوم، ثم دنوت منه و معي صاحب لي ظريف و كان قد قال لي: تعال حتى نهيجه على ذكر الغزل، فننظر هل بقي في نفسه منه شيء. فقال له صاحبي: يا أبا الخطّاب، أكرمك اللّه! لقد أحسن العذريّ و أجاد فيما قال. فنظر عمر إليه ثم قال له: و ما ذا قال؟ قال: حيث يقول:
لو جدّ بالسّيف رأسي في مودّتها
لمرّ يهوي سريعا نحوها راسي [٢]
/ قال: فارتاح عمر إلى قوله و قال: هاه! لقد أجاد و أحسن! فقلت: و للّه درّ جنادة العذريّ! فقال عمر حيث يقول ما ذا ويحك؟ فقلت: حيث يقول:
سرت لعينك سلمى بعد مغفاها
فبتّ مستنبها [٣] من بعد مسراها
و قلت أهلا و سهلا من هداك لنا
إن كنت تمثالها أو كنت إيّاها
من حبّها أتمنّى أن يلاقيني
من نحو بلدتها ناع فينعاها
كيما أقول فراق لا لقاء له
و تضمر النفس يأسا ثم تسلاها
و لو تموت لراعتني و قلت ألا
يا بؤس للموت ليت الموت أبقاها
قال: فضحك عمر ثم قال: و أبيك لقد أحسن و أجاد و ما أبقى [٤]! و لقد هيّجتما عليّ ساكنا، و ذكّرتماني ما كان عنّي غائبا، و لأحدّثنّكما حديثا حلوا:
قصة عمر مع هند بنت الحارث المرّيّة و ما قاله فيها من الشعر
[١] كذا في ب، ح، ر. و في سائر النسخ: «الحاطبيّ» بالحاء المهملة و هو تصحيف. و قد ذكره السيد مرتضى في مادة خطب و قال عنه: إنه من أئمة اللغة.
[٢] في بعض الأصول: «لو جز». و بقية هذا الشعر في «زهر الآداب» المطبوع بالمطبعة الرحمانية سنة ١٩٢٥ الجزء الأوّل ص ٢٢٩:
و لو بلى تحت أطباق الثرى جسدي
لكنت أبلى و ما قلبي لكم ناسي
أو يقبض اللّه روحي صار ذكركم
روحا أعيش به ما عشت في الناس
لو لا نسيم لذكراكم يروّحني
لكنت محترقا من حرّ أنفاسي
و قد روى فيه الخبر على غير هذا الوجه؛ فقد روى فيه أنه قيل لعمر: أ يعجبك قول الفرزدق:
سرت لعينك سلمى بعد مغفاها
... الأبيات؛ فلم يهش لها. فقيل له: أ يعجبك قول العذري: «لو جذ بالسيف الخ» فنحرّك ثم قال: يا ويحه!! أبعد ما يحزّ رأسه يميل إليها!.
و في «الأمالي» الطبعة الأميرية ج ٢ ص ٥٠ أن القائل للشعر الأوّل هو رسبان العذري (هكذا)، و للشعر الثاني نحبة بن جنادة العذري (هكذا). و في النسختين المخطوطتين المحفوظتين بدار الكتب المصرية تحت رقمي ٦١ أدب ش و ٦٢ أدب ش أن الأوّل هو ريسان العذري بتقديم الياء المثناة على السين، و أن الثاني هو نجبة ابن جنادة العذريّ بالجيم المعجمة لا بالحاء المهملة.
و قد أردنا أن نتحقق نسبة هذا الشعر للفرزدق فلم نعثر عليه في «ديوانه» المطبوع بباريس سنة ١٨٧٥.
[٣] استنبه من نومه: استيقظ. و في ح، ر: «مستلهيا».
[٤] كذا في ح، ر. و في سائر النسخ: «و ما أساء».