الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣
و يحاكين بها امتطاء الخيل- فيكرّون و يفرّون و يثاقفون [١]، و أمثال ذلك من اللّعب المعدّة للولائم و الأعراس و أيام الأعياد و مجالس الفراغ و اللهو. و كثر ذلك ببغداد و أمصار العراق، و انتشر منها إلى غيرها. و كان للموصليين غلام اسمه زرياب أخذ عنهم الغناء فأجاد، فصرفوه إلى المغرب غيرة منه، فلحق بالحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل أمير الأندلس، فبالغ في تكرمته و ركب للقائه و أسنى له الجوائز و الإقطاعات و الجرايات، و أحلّه من دولته و ندمائه بمكان، فأورث بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان الطوائف، و طما منها بإشبيلية بحر زاخر، و تناقل منها بعد ذهاب غضارتها [٢] إلى بلاد العدوة بإفريقية و المغرب، و انقسم على أمصارها. و بها الآن منها صبابة على تراجع عمرانها و تناقص دولها.
و هذه الصناعة آخر ما يحصل في العمران من الصنائع؛ لأنها كمالية في غير وظيفة من الوظائف إلا وظيفة الفراغ و الفرح. و هي أيضا أوّل ما ينقطع من العمران عند اختلاله و تراجعه، و اللّه أعلم».
و قال أيضا:
أمسى الفرزدق في جلاجل كرج
بعد الأخيطل ضرّة لجرير
[١] يثاقفون: يخاصمون و يجالدون، و مصدره الثقاف و المثاقفة و هي العمل بالسيف، و منه:
و كأن لمع بروقها
في الجوّ أسياف المثاقف
[٢] غضارتها: بهجتها و جدّتها.