الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠٩ - شيء من أخبار الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة الملقب بالقباع
يا ابن أخي، لشعر عمر بن ربيعة نوطة [١] في القلب، و علوق بالنفس، و درك للحاجة ليست لشعر، و ما عصي اللّه جلّ و عزّ بشعر أكثر ممّا عصي بشعر ابن أبي ربيعة، فخذ عنّي/ ما أصف لك: أشعر قريش من دقّ معناه، و لطف مدخله، و سهل مخرجه، و متن حشوه، و تعطّفت حواشيه، و أنارت معانيه، و أعرب عن حاجته. فقال المفضّل للحارث: أ ليس صاحبنا الذي يقول:
إنّي و ما نحروا غداة منّى
عند الجمار يؤدها [٢] العقل
لو بدّلت أعلى مساكنها
سفلا و أصبح سفلها يعلو
فيكاد يعرفها [٣] الخبير بها
فيردّه الإقواء و المحل [٤]
لعرفت مغناها بما احتملت
منّي الضلوع لأهلها قبل
فقال له ابن أبي عتيق: يا ابن أخي، استر على نفسك، و اكتم على صاحبك، و لا تشاهد المحافل بمثل هذا، أما تطيّر الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله! ما بقي إلا أن يسأل اللّه تبارك و تعالى لها حجارة من سجّيل [٥]. ابن أبي ربيعة كان أحسن صحبة للربع من صاحبك، و أجمل مخاطبة حيث يقول:
سائلا الربع بالبليّ و قولا
هجت شوقا لي الغداة طويلا
/ و ذكر الأبيات الماضية. قال: فانصرف الرجل خجلا مذعنا.
شيء من أخبار الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة الملقب بالقباع
أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثني أبو هفّان عن إسحاق عن رجاله المسمّين، و أخبرني به الحرميّ عن الزّبير عن عمّه عن جدّه، قالوا:/ كان الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة أخو عمر بن أبي ربيعة رجلا صالحا ديّنا من سروات قريش، و أنما لقّب القباع لأن عبد اللّه بن الزّبير كان ولّاه البصرة، فرأى مكيالا. لهم فقال: إنّ مكيالكم هذا لقباع- قال: و هو الشيء الذي له قعر- فلقّب بالقباع.
و أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالوا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني عبد اللّه بن محمد الطائيّ قال حدّثنا خالد بن سعيد قال:
استعمل ابن الزّبير الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة على البصرة، فأتوه بمكيال لهم، فقال لهم: إنّ مكيالكم هذا لقباع، فغلب عليه. و قال أبو الأسود الدّؤليّ- و قد عتب عليه- يهجوه و يخاطب ابن الزّبير:
- ص ٣٢٥٧ قوله:
لأصبحنّ العاصي بن العاصي
سبعين ألفا عاقدي النواصي
مجنّبين الخيل بالقلاص
مستحقبين حلق الدّلاص
هكذا بإثبات الياء، كما روى «لأصبحنّ العاص و ابن العاص» بحذفها.
[١] النوطة: التعلّق. و في ت، ح، ر: «لوطة بالقلب»؛ أي لصوق به.
[٢] كذا في ت، ح، ر. و معناه يثقلها. و في سائر النسخ: «يؤدّها» من أدّه الأمر يؤدّه و شده إذا دهاه، و العقل: الحبس.
[٣] في ت، أ، م، ء: «ينكرها». و هي لا تستقيم مع الشطر الثاني.
[٤] أقوت الدار: أقفرت و خلت من أهلها. و المحسل: الجدب.
[٥] السجيل: الطين المتحجر، و هو فارسي معرّب؛ و أصله سنك أي حجارة و كل أي طين.