نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤ - القسم الأول الحمد والثناء
ومن هنا نرى بعض العسكريين يضعون أصابعهم في آذنهم ويبتعدون عن الأماكن التي يفجرون فيها الأسلحة حذراً على سمعهم. وأخيراً فانّ سمع الإنسان يضعف كلما إبتعد عن مصدر الصوت مهما كان عظيماً، ومن هنا يوصف السمع بالعجز، فالواقع هنالك ما لايحصى من الاصوات التي تحيط بنا إلّاأنا نعجز عن سماعها. أمّا سمع الحق سبحانه فلايحتاج إلى واسطة ووسيلة، وسمعه جزء من علمه، أي أنّه عليم بجميع الأصوات، فلا يحجزه سمع صوت عن آخر، ولا يؤذيه صوت ولايبتعد عنه آخر، وكلها لديه على السواء: «قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ فِي السَّماءِ وَالأَرضِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ» [١]. وقال في الصفة الثامنة:
«و كلّ بصيرٍ غيره يعمى عن خفّى الالوان ولطيف الاجسام»
فالباصرة لدى الإنسان وسائر الكائنات تحصل بواسطة العين التي تتشكل من عدّة طبقات لكل منها وظيفة خاصة من قبيل الشبكية والقزحية والبؤبوء التي تتعاضد جميعاً لرؤية الصور في الخارج، مع ذلك فهناك أنواع من الاشعة التي يتعذر على العين رؤيتها، ناهيك عن إنعدام الرؤية لديها في الظلام، في حين لايخفى على اللَّه شئ وهو محيط بجميع الأشياء «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ» [٢] فالسمع والبصر الحقيقي إنّما يختص بالذات الإلهية المقدسة وقال في الصفتين الأخيرتين:
«و كلّ ظاهرٍ غيره باطنٌ، وكلّ باطنٍ غيره غير ظاهرٍ»
وهذه الصفات تستند في الواقع إلى ذاته اللامتناهية ومحدودية ذوات ما سواه، فلما كانت ذاته القدسية لامتناهية فان آثاره شملت جميع عالم الوجود وساد ظهوره المطلق كل زمان ومكان، أمّا سائر الكائنات فمهما كان لها من ظهور فهو محدود، ومن هنا يمكن القول بأنّها توصف بالظهور والخفاء، فهناك الكواكب والمجرات التي تفوق بحجمها الشمس وتفوقها نوراً وضوءاً، إلا أنا لانرى لها أي أثر، والعكس صحيح فاذا تجاوزنا قليلًا دائرة المنظومة الشمسية لبدت لنا الشمس باهتة حتى تنعدم بالمرة إضافة إلى ذلك، فانّ كل هناك من ظهور لشىء- مهما كان نسبياً ومحدوداً- فان ذلك ببركة وجود اللَّه، وإلّا فجميع الممكنات مظلمة وقاتمة في ذاتها، ونور اللَّه هو الذي يمنحها هذا الظهور، هو بالضبط كذرات الغبار المعلقة في الهواء المعدومة الرؤية إلّاأنّها تبدو للعيان وتظهر إذا ما
[١] سورة الأنبياء/ ٤.
[٢] سورة الشورى/ ١١.