نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٠ - عشرون كلمة قيمة
يتعذر بالاقتصار على العقل والفطرة، ولايتوج ذلك إلّابتوفر الداعي الإلهي والمرشد والدليل.
ومن الواضيح أنّ المراد بالدليل والمنقذ الذين اشير إليهما في العبارة هم النبي وأئمة العصمة عليهم السلام ومن يتحدث عنهم ويهدي إليهم؛ لا الأفراد المبتدعين ممن تسموا بشيوخ التصوف الذين يغطون في هالة من الظلمة الدامسة ويزعمون أنّهم يهدون إلى النور ولا يخفى على أحد مدى الدور الذي يلعبه الشعور بالمراقبة الإلهية والورع عن الذنب في كبح جماع النفس وصمودها أمام الأهواء والشهوات. فاذا ما توفرت هذه المقدمة اللازمة لذلك السفر، آنذاك يأتي دور البرامج العلمية فقال عليه السلام:
«قدّم خالصاً، وعمل صالحاً. اكتسب مذخوراً، واجتنب محذوراً، ورمى غرضاً [١] وأحرز عوضاً. كابر [٢] هواه، وكذّب مناه».
فقد أكد الإمام عليه السلام بادئ ذي بدء على العمل الخالص والصالح، كما ورد تعريفه عن الإمام الصادق عليه السلام:
«العمل الخالص الّذي لاتريد أن يمدحك عليه أحدٌ إلَّااللّه» [٣]
وإليه أشارت الآية الكريمة: «وَما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» [٤].
وهنالك تفاسير اخرى للاخلاص تبدو من قبيل اللازم والملزوم، فقالوا: الاخلاص إخفاء العمل عن الخلائق وتطهيره من العلائق، وقيل: حقيقة الاخلاص ألا ينتظر الإنسان أجراً دنيوياً أو أخروياً على عمله، بل يقوم به حبّاً للَّه. وقيل: الاخلاص إخراج الخلق من معاملة الخالق. ولعلنا نلمس قمة الاخلاص في الحديث الوارد عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام حين قال:
«إلهي ما عبدتك طمعاً في جنّتك ولاخوفاً من نارك ولكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك» [٥]
. ثم اتبع الاخلاص والعمل الصالح بالحديث عن المذخور والذخيرة ليوم القيامة والواقع هو أنّ أعظم ذخيرة إنما تتمثل بالأعمال الخالصة والصالحة.
ولما كانت الأعمال الصالحة والخالصة للإنسان عرضة للاحباط بفعل الذنوب والمعاصي،
[١] «غرض» على وزن مرض بمعنى الهدف الذي يسدد نحوه السهم، كما يعني المقصود والحاجة، إلّاأنّه وردفي رواية «عرض» بمعنى المتاع الدنيوي الزائل.
[٢] «كابر» من مادة «مكابرة» بمعنى المنازعة والمبارزة، كما يطلق على المنازعات العلمية التي تهدف الغلبة على الطرف المقابل لاتحقيق الحق، وقد ارد بها هنا المعنى الأول.
[٣] الكافي ٢/ ١٦.
[٤] سورة البينة/ ٥.
[٥] بحارالأنوار ٦٩/ ٢٧٨.