نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩ - القسم الثاني تجليات جلال اللَّه وجماله
بائنٌ»،
وبالنظر إلى أنّ الذات اللهية منزهة عن المكان والزمان فان هذين الوصفين يعدان من النتائج الحتمية. فليس هنالك من موضع يحتاج إليه ويحل فيه من تنزهت ذاته وفاقت الزمان والمكان، ومن هنا يتعذر تصور البعد والقرب عليه سبحانه، فكل هذه الامور إنما تصدق على الأشياء المحدودة، فاذا حلت في مكان قربت من شئ وبعدت عن آخر، أما الذات الإلهية المقدسة فهى مطلقة لامتناهية حاضرة في كل مكان وهى قريبة من كل شئ ولا يحويها مكان؛ الأمر الذي ورد في القرآن: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [١] وجاء فيه أيضاً (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ» [٢] وكذلك «وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ» [٣]. ومن الواضح أن لهذه الصفات الكمالية أثرها البالغ في تربية الإنسان، حيث يرى اللَّه سبحانه معه أينما كان فيتحرج من مقارفة الذنب والمجاهرة بالمعصية. ثم قال عليه السلام:
«لم يؤده خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ماذرأ، ولا وقف به عجزٌ عمّا خلق»
فقد أشارت العبارة إلى بعض الامور المهمة التي تعود جميعاً الى قدرته الازلية. الأول أنّ الخلق الأول الذي يتطلب قدرة أكثر لم يشق عليه سبحانه (لم يؤده من مادة أود على وزن عود بالفتح يعني الثقل)، والاخر أن ربوبية الخلق وتدبير شؤونه لم يخلق له أية صعوبة أو مشكلة، وأخيرا أن قدرته لم تنفد من جراء خلقه لكل هذا الخلق، بل له أن يخلق مالا نهاية من العوالم بقوله:
«كن» «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [٤]. ويمكن أن يكون للعبارة الأخيرة معنى آخر وهو أن خلق هذه المخلوقات لم يعجزه عن إدارتها؛ وتكون العبارة في هذه الحالة تأكيد لما ورد في العبارة السابقة. وهذه الصفات هى الاخرى نابعة من ذاته اللامتناهية؛ لأنّ العجز والتعب والثقل إنّما يصدق على الذات المحدودة القدرة التي تسعى للقيام بما يفوق
[١] سورة الحديد/ ٤.
[٢] سورة ق/ ١٦.
[٣] سورة البقرة/ ١١٥.
[٤] سورة يس/ ٨٢.