نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨ - القسم الثاني تجليات جلال اللَّه وجماله
غني من جميع الجهات ومن هنا كان جامعاً لجميع الكمالات وليس للنقص والحاجة من سبيل إلى ذاته المقدسة. وبناءاً على ما تقدم فانّ أفعاله ليست من قبيل أفعالنا، ولما كان اللَّه فاعلًا حكيماً، فانّ أفعاله منزهة من العبث ولابدّ من تحري أهداف أفعاله خارج وجوده وبالنظر إلى عباده. والوصف الذي تضمنته العبارة قد أشار إلى هذا الأمر، حيث ينفى عن أفعال الحق سبحانه كافة الأهداف التي تستبطن رفع الحاجة وا لنقص. فهدفنا من أغلب أفعالنا هو مضاعفة قدراتنا واستزادة قوتنا، وأحيانا هدفنا التحسب لبعض المساوئ والعقبات التي قد تلوح في آفاق مستقبلنا، وقد يكون للهم بالغلبة على من ينشدون ضعفناً أو يهبون لمواجهتنا من نظرائنا، وقد يكن الوقوف بوجه من ينافسنا من الأفراد الذين يعيشون من حولنا، وأخيراً فقد نهدف إلى ازالة بعض العقبات التي تعترض طريقنا، ومن هنا فان كافة أفعالنا إنّما تفرزها طبيعة مثل هذه الأهداف. أما الوصف الذي أورده الإمام عليه السلام بشأن اللَّه سبحانه إنّما يشير إلى أنّ أفعاله لا تستند لأيمن هذه الأهداف. فليس هنالك من ضعف في قدرة اللَّه ولا يخشى من أحداث المستقبل، وليس له من شبيه أو نظير يسعه منافسته، وليس له من يطمع فيه من شريك وأخيراً ليس هنالك من موانع أو عقبات تعترض طريقه، وليس لهذه الامور من سبيل إلى ذاته، بل وجودنا الناقص بالذات إنّما يصاب بهذه الامور. وهنا يبرز هذا السؤال وهو إذا كانت جميع هذه الامور منتفية على اللَّه سبحانه، فماهدفه من الخلقة؟ ورد الرد على هذا السؤال في العبارة اللاحقة من الخطبة
«و لكن خلائق مربوبون، وعبادٌ داخرون» [١]
نعم فليس هدف اللَّه من الخلق تحقيق نفع، بل هدفه الجود على العباد؛ الأمر الذي أكده التعبير
«مربوبون»
في العبارة الذي يعطي معنى التربية والتكامل، كما أشير إلى المعنى المذكور أيضاً بقوله
«عباد داخرون»
، وذلك لأنّ تكامل الإنسان إنّما يمر عبر عبوديته. وبناءا على هذا فان العباد والمخلوقات ليست شبيهة ومضادة للَّه فقط، بل هى تستفيض من رحمة اللَّه ولطفه وفضله. ثم قال عليه السلام:
«لم يحلل فى الأشياء فيقال: هو كائنٌ، [٢] ولمْ ينأ [٣] عنها فيقال: هو منها
[١] «داخرون» من مادة «دخور» على وزن حضور بمعنى الذلة والصغر، تستعمل فى الامور السلبية كما تستعمل فى الامور الايجابية حينما يوصف عبادالله بصفة «داخر» فيعنى ذلك التسليم والتواضع أمام الحق.
[٢] فى الكثير من نسخ نهج البلاغة التى تعرض لشرحها الشارحون جاءت هذه الجملة والتى وردت أعلاه بهذه الصورة «فيقال: هو فيها كائن» ولا ريب فى أن مفهوم هذه الجملة التى جائت فى هذه النسخة هى أوضح، وفى النسخة التى دون النص منها، فان كلمة «فيها» جائت مقدره.
[٣] «ينْأَ» من مادة «نَأْى» على وزن رأى بمعنى ابتعد، والبعض فسرها بمعنى الابتعاد عن الشيء والاتجاه إلى نقطة بعيدة.