نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٠ - القسم الثاني العالم بالخفايا والأسرار
مسبب الأسباب فتخيب نتيجة هذا السعي وتنجح تلك دون سعي وجهد، إلّاأنّ هذه امور استثنائية مختصة به سبحانه ثم قال عليه السلام:
«و أحصى آثارهم وأعمالهم، وعدد أنفسهم، وخائنة أعينهم، وما تخفي صدورهم من الضّمير»
وليس هذا فقط فحسب بل
«ومست قرّهم ومس تودعهم من الأرحام والظّهور، إلى أن تتناهى بهم الغايات»
ذهب بعض شرّاح نهجالبلاغة إلى أنّ المراد بالاثار يعني آثار وطئهم في الأرض، كما فسرها البعض الآخر بما يبقى من الإنسان في العالم. وفسروا عدد الأنفس بعدد الناس في كل زمان ومكان، كما فسرت بعدد الأنفاس (و يصح هذا التفسير إذا كانت العبارة في النسخة أنفاس، كما نقل ذلك بعض شرّاح نهجالبلاغة وهو الانسب لما قبل هذه العبارة وما بعدها). أمّا المراد بخيانة العين النظر الحرام، أو غمز الآخرين من أهل العفة والحياء. وأمّا العبارة
«وما تخفي صدورهم»
فهى إشارة إلى النيات الحسنة والقبيحة والطاهرة والفاجرة والعقائد المختلفة. والمستقر رحم المرأة الذي تستقر فيه نطفة الرجل والمستودع صلب الرجل الذي يضم النطفة قبل إنتقالها إلى الرحم.
والعبارة:
«إلى ان تتناهى بهم الغايات»
أي إلى أن يحشروا في القيامة، ولايصح ما ذهب إليه بعض الشرّاح من تفسيرها بالجنّة والنار لعدم انسجامها والعبارات السابقة. عل كل حال فالعبارات تشير إلى علمه سبحانه بسبعة امور عن الإنسان، من قبيل الأعمال والحركات والعين والأنفاس والعقائد والنيات ومنذ ظهور النطفة في صلب الرجل إلى إنتقالها إلى رحم الامُ مروراً بالولادة ومراحل الحياة وأخيرا الموت، ليعلم الإنسان بأنّه في عين اللَّه على كل حال فيلتفت إلى أعماله وحركاته وسكناته. والحق أنّ كلماته عليه السلام إنّما تستد إلى الآيات القرآنية الكريمة، كالاية: «وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ» [١] والآية:
«يَعْلَمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ» [٢] والآية: «وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» [٣].
[١] سورة يس/ ١٢.
[٢] سورة غافر/ ١٩.
[٣] سورة هود/ ٦.