نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٨ - القسم الثاني الاستبداد مادة الاختلاف
المذاهب في الاصول والفروع، إلى جانب إتساع رقعة البلاد الإسلامية التي أسهمت في انبثاق مختلف الفرق. فالإمام عليه السلام يضم هذا الاختلاف ويعزا ذلك إلى ثائر الاخباء زلات التي اشير إلى عشر منها في هذا الخطبة، أربع منها وردت في الخطبة: الاولى انهم لايتبعون تعاليم الوحى التي يبلغهم بها الأنبياء. الثانية انّهم لم يلتزموا ويقتدو بالأوصياء من بعد الأنبياء. الثالثة عدم الإيمان بالغيب. أمّا ما المراد بالإيمان بالغيب فهنا لك خلاف بين مفسرى القرآن وشرّاح نهج البلاغة. فقد ذهب البعض إلى أنّ المراد بالغيب الذات الالهية المقدسة، وقيل القيامة وقيل متشابهات القرآن بينما توسع البعض آخر فذهب إلى أنّ المقصود بالغيب كافة الامور الخارجة عن دائرة حس الإنسان. وعليه فقد يراد بالغيب جميع ماذكر، ويبدوا المعني الأخير هو الأنسب. الرابعة عدم التورع عن العيوب وبعبارة اخرى فانّ هؤلاء يرتكبون كل ذنب بسهولة بسبب افتقادهم لملكة الافاف التى تحجز الإنسان عن ذنب، وهكذا كانت مباني إيمانهم ضعيفة وأعمالهم خاوية، ومن الطبيعى أن يؤدى التزلزل في الإيمان إلى الفساد في العمل، كما يؤدى الفساد في العمل إلى زعزعة دعائم الإيمان. ثم قال عليه السلام في الصفة الخامسة العشرة:
«يعملون في الشّبهات، ويسيرون في الشّهوات»
العبارة
«فى الشهوات»
إشارة إلى نقطة لطيفة وهى أنّ هؤلاء يخفون أعمالهم السيئة تحت غطاء الشبهات حتى لايطلع الناس على قبائحهم. أنّهم قلما يتجهون صوب محكمات القرآن والأحاديث، بل بالعكس إنّما يسارعون إلى المتشابهات، وكذلك في الموضوعات الخارجية التي تعتبر من الموضوعات الواضحة، حيث يبتعدون عنها ويقتفون آثار الموضوعات المشتبهة؛ ولا غرو فليس لهم من سبيل القيام بأعمالهم الشائنة إلّامن هذا السبيل. والعبارة
«يسيرون في الشهوات»
تثير إلى أنّ محور حياتهم إنّما يمر عبر الشهوات، لا أنّ الشهوات طارئة عليهم، أضف إلى ذلك فانّ مقارفتهم لهذه الشهوات دائم متواصل، ويفهم ذلك من خلال العبارة التي تصدرتها الأفعال بصيغة المضارع
«يعملون ويسيرون»
. والجدير بالذكر أنّ أعمالهم إنعكاس لعقائدهم الفاسدة، كما يمكن أنّ تكون مقارفة الشهوات تدفعهم لأن يتجهوا صوب العقائد التي تبرر أفعالهم. [١] ثم خاض
[١] راجع ذيل الخطبة ٣٨ في المجلد الثاني من هذا الشرح بخصوص الشبهة ومعناها وتأثيرها في تحريفالحقائق. (٢/ ٤٠٥)