نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٩ - القسم الثاني الاستبداد مادة الاختلاف
الإمام عليه السلام في إطار مواصلته لحديثه عن سائر صفات هؤلاء المضلين- الذين قد يكونون أحياناً من العلماء المزيفين- فقال عليه السلام:
«المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا»
. نعم لما قطع هؤلاء رابطتهم باللَّه والنبي لم يعد الوحي السماوي والسنة النبوية وكلمات المعصومين هى المعيار في تمييز الصالح من الطالح والحسن من القبيح، بل المعيار هوى النفس والرغبات الباطنية، أو الافكار الفئوية والتعصبات القبلية والامور التي تؤمن مصالحهم المادية، ولو كانوا حقاً من أهل الفكر فانّهم سيقعون في وادي الضلال أيضاً لعدم إنفتاحهم على تعاليم السماء وإرشادات الأنبياء والمعصومين، ففكر الإنسان عرضه للخطأ والانحراف. ثم قال عليه السلام في صفتهم التاسعة والعاشرة:
«مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، وتعويلهم في المهمّات على آرائهم»
فاساس بؤسهم وشقائهم إنّما ينبع من هذه القضية، وهى أنّهم هجروا أولا تبعية الوحي وسنة النبي وتعاليم المعصومين، وعليه فكلما تقدموا أكثر إزداد انحرافهم وابتعادهم عن الحق. ومن هنا صرح الإمام عليه السلام كأن كل امرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات وأسباب محكمات، والحال لاينطوون سوى على أفكار هزيلة وتصورات واهية «وَإنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» [١]. نعم هذا هو المصير المحتوم الذي ينتظر الأفراد الذين يولون ظهورهم للمعايير الدينية الصحيحة في حل خلافاتهم الفكرية والعقائدية وتمييز الحق من الباطل والصراط المستقيم من الطريق السقيم ويعولون على أفكارهم القاصرة وآرائهم الباطلة، ولذلك وقعوا في أودية الشرك والوثنية المقيتة حتى جعلوا للَّه جسماً ويداً ورجلًا وشعراً مجعداً، بينما خالفهم البعض الآخر تماماً حتى عطل صفاته سبحانه وهبطوا بالفكر إلى الحضيض في أنّه لايستطيع إدراك صفاته والتطرق إلى ذاته، فذلك التجسيم الأبله وهذا التعطيل الأحمق هو الوليد الطبيعي للاستناد إلى الآراء الناقصة وهجر تعاليم أئمة الدين، فكان منهم الخوارج الذين يحسبون أنّهم عابدون وقد سلكوا سبيل النجاة، بينما أنكروا أبسط بديهات الإسلام وشرعة المقدس في ضرورة الحكومة وحاجة الامة الماسة إليها.
[١] سورة العنكبوت/ ٤١.