نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٣ - القسم الثاني خصائص المخلصين
القسم الثاني: خصائص المخلصين
«قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلَّهِ- سُبْحانَهُ- فِي أَرْفَعِ الْأُمُورِ، مِنْ إِصْدارِ كُلِّ وارِدٍ عَلَيْهِ، وتَصْيِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ، مِصْباحُ ظُلُماتٍ، كَشَّافُ عَشَواتٍ خشوات مقِفْتاحُ مُبْهَماتٍ، دَفَّاعُ مُعْضِلاتٍ، دَلِيلُ فَلَواتٍ، يَقُولُ فَيُفْهِمُ، يَسْكُتُ فَيَسْلَمُ، قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فاسْتَخْلَصَهُ، فَهُوَ مِنْ مَعادِنِ، دِينِهِأَوْتادِ أَرْضِهِ، قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ، فَكانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ، يَصِفُ الْحَقَّ ويَعْمَلُ بِهِ، لا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غايَةً إِلَّا أَمَّها، ولا مَظِنَّةً إِلَّا قَصَدَها، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتابَ مِنْ زِمامِهِ، فَهُوَ قائِدُهُ وإِمامُهُ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ، وَيَنْزِلُ حَيْثُ كانَ مَنْزِلُهُ».
الشرح والتفسير
تطرق الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة إلى نقطة مهمة مكملة للقسم السابق، وهى أنّ العبد المخلص للَّه- الذي دار الحديث عنه سابقاً- بعد أن يتم مرحلة تهذيبالنفس والوصول إلى المقامات العالية في العلم والعمل والتقوى يهب لهداية الخلق ويصبح رائدا على الطريق لينجي الناس من ظلمات الجهل والوهم والضلال. فالواقع أنّ مثل هذا العبد ما إن يجتاز مرحلة السير إلى الحق وفى الحق حتى يستأنف مرحلة السير إلى الخلق فينهض بعبئ تبليغ الرسالة التي حمل مشعلها الأنبياء. فقد قال عليه السلام:
«قد نصب نفسه للّه- سبحانه- في أرفعالْأمور»،
آنذاك خاض الإمام عليه السلام في شرح هذه الوظائف بعبارات قصيرة بعيدة المعاني فقال:
«من إصدار كلّ واردٍ عليه، وتصيير كلّ فرعٍ إلى أصله»،
فالعبارة تشير إلى نقطة مهمّة وهى أنّ هذا العبد العالم المخلص قد إنطوى على إحاطة بعلوم الدين وأحكامه إلى درجة