نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٠ - القسم التاسع عاقبة الغضاضة الذبول
رهيناً، وفى ضيق المضجع وحيداً»
وكأنّ جداراً سمكه آلاف الامتار قد ضرب بينه وبين قرابته ولا يمكن تخطي ذلك الجدار، ولايسع البكاء والعويل أن يقدم من شئ سوى التخفيف من ألم الفراق ولوعة الاشتياق، بينما لايعود بأي نفع على الميت. ثم يبين مصير جسم الإنسان وروحه بعد الموت بعشر عبارات قصيرة فقال عليه السلام:
«وقد هتكت الهوام [١] جلدته، وابلت النواهك [٢] جدته، [٣] وعفت العواصف [٤] آثاره، ومحا الحدثان [٥] معالمه، وصارت الاجساد شحبة [٦] بعد بضتها، والعظام نخرة [٧] بعد قوتها، والارواح مرتهنة بثقل اعبائها، [٨] موقنة بغيب أنبائها، لاتستزاد من صالح عملها، ولا تستعتب من سيئ زللها»
حقاً ليس هنالك تعبير أجمع وأكمل وأبلغ من هذا التعبير الذي صور وضع جسم الإنسان وروحه بعد الموت، فسرعان ما يتفسخ هذا الجسم ويكون لقمة سائغة للحشرات، وتذهب زلاقة لسانه وحدة ذكائه أدراج الرياح ولن يتبقى منه سوى حفنة من العظام النخرة، والقبور المهدمة. والأنكى من كل ذلك غلق صحيفة الأعمال، فلا من زيادة للحسنات ولا نقصان للسيئات، آنذاك لم يعد هنالك من مجال لتلك القطرة من الدمع التي يمكنها إطفاء بحار من نيران الذنوب، إن أفرزتها حالة الندم والتوبة والانابة إلى اللَّه. كما ذهبت فرصة القول «لا اله الا اللّه» التي ثوابها شجرة في الجنّة، فلا سبيل إلى العودة، ولا طريق إلى العمل وقد ختمت صحيفة الأعمال. ثم قال عليه السلام:
«أو لستم أبناء القوم والآباء وا خوانهم والأقرباء؟»
فالآباء عادة ما يموتون قبل أولادهم، كما يمكن أن يتوفى الأبناء قبل آبائهم، وربّما يموت بعض الاخوة قبل غيرهم، وعليه فليس
[١] «هوام» جمع «هامة» الحشرات المؤذية وتطلق أحياناً على خاصة الحشرات السامة.
[٢] «نواهك» جمع «ناهكة» ماينهك البدن، وتطلق على من يلبس الثوب حتى يبلى فيقال نهك الثوب.
[٣] «جده» من مادة «جديد»، الحديث.
[٤] «عفت» من مادة «عفو» درست وأزالت ومحت، ومنه العفو الذي يزيل الذنب، وقد وردت في الخطبة بمعنى محو آثار الإنسان بعد الموت بواسطة الرياح والحدثان تثنيه بكسر النون وتجمع بضمها بمعنى الحوادث الاليمة.
[٥] «الحدثان» من مادة «حدوث»، تعاقب الليل والنهار.
[٦] «شحبة» من مادة «شحوب» تغير الجسم وضعفه، تقابل بضة بمعنى النشاط والغضاضة.
[٧] «نخرة» صفة مشبهة من مادة «نخر» على وزن ضرر بمعنى البالية، وقد وردت في الخطبة كاشارة إلى العظام بصفتها ممزقة خاوية.
[٨] «أعباء» جمع «عب» بمعنى الثقل، والأعباء في الخطبة تعني المسؤوليات الثقيلة.