نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١١ - القسم الثالث حقيقة الدنيا
القسم الثالث: حقيقة الدنيا
«فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا رَدِغٌ مَشْرَعُهَا، يُونِقُ مَنْظَرُهَا ويُوبِقُ مَخْبَرُها، غُرُورٌ حائِلٌ، وضَوْءٌ آفِلٌ، وظِلٌّ زائِلٌ، وسِنادٌ مائِلٌ، حَتَّى إِذا أَنِسَ نافِرُها واطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا، قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا، وقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا، وأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِها، وأَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهاقَ الْمَنِيَّةِ قائِدَةً لَهُ إِلَى ضَنْكِ الْمَضْجَعِ، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ، ومُعايَنَةِ الْمَحَلِّ وثَوابِ الْعَمَلِ، وكَذَلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ، لا تُقْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِراماً، ولا يَرْعَوِي الْباقُونَ اجْتِراماً، يَحْتَذُونَ مِثالًا، ويَمْضُونَ أَرْسالًا، إِلَى غايَةِ الإِنْتِهاءِ، وصَيُّورِ الْفَناءِ».
الشرح والتفسير
يعرض الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة بالذم الشديد الدنيا، حيث كان حديثه عن دار الامتحان والعبرة، فيشرح هنا خصائص هذه الدار بعبارات روعة في الفصاحة والبلاغة. من جانب آخر خاض الإمام عليه السلام في التقوى، ونعلم أنّ العقبة الكؤود التي تعترض سبيل التقوى إنّما تكمن في حبّ الدنيا والتعلق بمادياتها، ومن هنا ذمها الإمام عليه السلام ليحط من قدرها لدى الناس ويقوى عندهم حس التقوى. فقد أشار عليه السلام إلى ثمان من مميزات الدنيا فقال عليه السلام:
«فانّ الدنيا رنق [١] مشربها، ردغ [٢] مشرعها»
عادة ما يكون مستوى الأنهار التي يستفيد الإنسان
[١] «رنق» صفة مشبهة بمعنى الكدر. وعليه فانّ العبارة (رنق مشربها) إشارة إلى كدر شرب الدنيا، أمّا رونقفتعني الجمال، وذلك لأنّ اللغة العربية تتضمن أحياناً مادة واحدة لمعنيين متضادين.
[٢] «ردغ» من مادة «ردغ» على وزن فتق كثير الطين والوحل. وفي التشبية الذي ورد أعلاه في الخطبة حيث وصفت الدنيا بمثابة نهر كبير ينتهي جريانه بماء مملوء بالطين والوحل.