نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٨ - القسم الثاني دور التقوى في تقرير مصير الإنسان
لمعرفة المنعم وبالتالي الامتناع عن مخالفته والتمرد على أوامره والتحلي بالورع والتقوى. أمّا الحجج البوالغ المتمثلة بالأنبياء والكتب السماوية والمعجزات والأدلة العقلية والنقلية فهى الاخرى من دواعي الورع والتقوى وأمّا ذكر النعم إلى جانب الحجج فيمكن أن يكون إشارة إلى أنّ اللَّه في الوقت الذي يغدق كل هذه النعم على الإنسان، إلّاأنّه يحذره من استغلالها وأنّ عليه أن يوظفها بما يقوده إلى الفلاح والسعادة. ثم إختتم عليه السلام كلامه بهذا الشأن قائلًا:
«فأحصاكم عدداً، ووظف لكم مدداً، [١] في قرار خبرة [٢]، ودار عبرة، أنتم مختبرون فيها، ومحاسبون عليها»
لقد سبق الحديث في الصفة الثانية عن أجل الإنسان وفى الصفة الخامسة عن إحصاء الناس وعددهم، ثم كرر عليه السلام هذين الوصفين لأهميتهما وتأثيرهما المباشر في تجلي حقيقة التقوى في وجود الإنسان، كما يمكن أن يفيد هذا التكرار معنى آخر، فقد كان الحديث في العبارات السابقة عن الاحاطة بأعمال الإنسان، ومن هنا أردف بالكلام عن جزاء الأعمال، أمّا هنا فقد ورد الكلام عن أحصاء الناس بحيث لايشرد أحدهم عن مراقبة اللَّه سبحانه، كما صرح بذلك القرآن: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرضِ إِلّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً* لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً» [٣]. ولئن أشار إلى انتهاء الأجل فانّ ذلك مقدمة للعبارات التالية (الحياة في دار الإمتحان والابتلاء) وفى الواقع هى من قبيل البيان الإجمالي والتفصيلي للعبارة السابقة. وأمّا قوله عليه السلام:
«قرار خبرة ودار عبرة»
فواضح في أنّ حياة الناس تمثل امتحانهم واختبارهم؛ الأمر الذي أشار إليه القرآن بالقول: «أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ». [٤]. والتعبير بالعبرة يشير إلى الاعتبار بمصير الظلمة والأقوام الطاغية والأفراد الذين تلطخت أيديهم بالذنوب والمعاصي، وأنّ العقاب الإلهي لايقتصر على الآخرة بل يطيل
[١] «مدد» جمع «مدة»، أي عين لكم أزمنة تحيون فيها، فالمدّة جزء من الزمان، كما تأتي بمعنى انتهاء زمانمعين.
[٢] «خبرة» تفيد معنى المصدر واسم المصدر تعني العلم والاطلاع، ومن هنا يقال «أهل الخبرة» لمن كان لهم العلم الكافي بالشيئ، كما تعني الإمتحان وقد وردت هنا بهذا المعنى؛ أي في دار ابتلاء واختبار وهى دار الدنيا.
[٣] سورة مريم/ ٩٣- ٩٤.
[٤] سورة العنكبوت/ ٢- ٣.