نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٣ - الدنيا وسيلة لأهدف
«ما أَصِفُ مِنْ دارٍ أَوَّلُها عَناءٌ [١]، وآخِرُها فَناءٌ فِي حَلالِها حِسابٌ وفِي حَرامِها عِقابٌ. مَنِ اسْتَغْنَى فِيها فُتِنَ، ومَنِ افْتَقَرَ فِيها حَزِنَ ومَنْ ساعاها فاتَتْهُ، ومَنْ قَعَدَ عَنْها واتَتْهُ، ومَنْ أَبْصَرَ بِها بَصَّرَتْهُ، مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْها أَعْمَتْهُ».
الشرح والتفسير
الدنيا وسيلة لأهدف
وصف الإمام عليه السلام الدنيا بعشر عبارات فصيحة بليغة، فقال في العبارة الاولى:
«ما أصف من دار أولها عفاء»
وقال في العبارة الثانية:
«وآخرها فناء»
فأدنى تأمل لحياة الإنسان في هذا العالم ليكشف أنّها مشوبة بالصعاب والمشاق، فهى تبدأ بولادته التي تحمل الألم والمعاناة للطرفين وأقصاها لأمّه، حيث يرد الوليد من وعاء مغلق إلى بيئة مفتوحة تتفاوت جذرياً عما كان عليه، إلى جانب ذلك فانّ رصيده الضعف والعجز ليس عن دفع أتفه الحشرات بل يتعذر عليه حفظ لعابه في فمه، ولا يؤمن عليه الخطر فيما ذا أغفل عن مراقبته. ثم يجتاز مرحلة الرضاع ليواجه مشكلة الفطم فيعاني الأمرين، ثم يأخذ بالمشي شيئاً فشيئاً دون أن يكون له أدنى تجربة في الحياة والأخطار تتهدده من كل حدب وصوب، فاذا دب فيه العقل ووضع قدمه على الطريق واجه سيلًا جديداً من المشاكل فعليه أن يخوض معترك الحياة وينافس سائر الأفراد من أبناء الدنيا، وعليه أن يجد اعلم ويحظى بالزوجة ويتحمل كل ما يترتب على ذلك من الالام والمعاناة. فاذا تقدمت به السن وبلغ مرحلة الكهولة شاب الرأس وضعفت العين والاذن والقلب والعروف والعظام، نعم هذه صورة مختصرة عن حياة الإنسان تشير إلى ما
[١] «عناء» بمعنى المشقة ومنها «العاني» يطلق على الأسير لماى واجه من مشقة.