مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٢٨ - هل الحياة والموت تعدّان حداً للتوحيد والشرك ؟
فرق بين حالتي الحياة والممات.
ولو اعترض على الاستغاثة بالميت بأنّه عمل عبثي أوّلاً ، وبدعة لم يرد في الشرع ثانياً فيقال في جوابه :
أوّلاً : انّ هذا العمل إنّما يصطبغ بلون البدعة إذا أتى به المستغيث بعنوان كونه وارداً في الشرع وأمّا لو أتى به من جانب نفسه من دون أن ينسبه إلى مقام فلا يعد بدعة وإحداثاً في الدين ، لأنّ البدعة هو إدخال ما ليس من الدين في الدين ، وهو فرع الإتيان بالعمل بما أنّه أمر ديني.
وثانياً : أنّ البحث في المقام إنّما هو عن تحديد التوحيد والشرك ولا عن كون العمل مفيداً أو غيره أو بدعة وغير بدعة ، فكل ذلك خارج عن بحثنا ، أضف إلى ذلك أنّه قد ثبت في محله مشروعية التوسّل بالأرواح المقدسة بالدلائل النقلية الصريحة [١].
وعلى كل حال لا يمكن اعتبار الاستغاثة بالميت شركاً ، إذ هو لم يشرك بعمله بالله أبداً لا في الذات ولا في الصفات ولا في الفعل ليخرج بذلك عن توحيد الربوبية ، ولا في العبادة ليخرج عن التوحيد في العبادة.
إنّ المفتاح لحل هذه المشكلة هو ما ذكرناه في تحديد معنى الشرك والتوحيد وهو انّ الاعتقاد باستقلال الفاعل في ذاته وفعله والتوجه به كذلك يعد شركاً في العبادة ، كما أنّ الاعتقاد بعدم استقلاله في ذاته وصفاته وأفعاله يعد اعترافاً بعبوديته ويعد التوجّه به تكريماً واحتراماً ، ولو تناسينا هذه القاعدة لما وجد على أديم الأرض موحد أبداً.
[١] راجع للوقوف على تلك الأدلة كشف الارتياب : ٣٠١.