مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٥ - المعنى الآخر لفطرية الإيمان بالله
درجة أنّ المنافع الاجتماعية أيضاً لا يريدها الإنسان إلاّ لمنفعة نفسه ، فلمن يضحي الماركسي ولمن يقدم نفسه فداء وهو لا يعتقد بالآخرة وما فيها من أجر وثواب ؟!
أما يعتقد المنطق الماركسي بأنّ الإنسان يفنى بالموت فناء كاملاً ولا تعود منافعه إليه بعد موته ؟
فماذا تعني التضحية والفداء عند الماركسيين ؟
أليس ذلك يدل على أنّ دوافع التضحية والفداء أُمور فطرية متأصلة في ضمير الإنسان ووجدانه ، وأنّ الماركسيين أخطأوا في طريقة استخدامها ؟
المعنى الآخر لفطرية الإيمان باللهوقد تفسر فطرية الإيمان بالله بنحو آخر إذ يقال : يكمن في قرارة كل إنسان عشق للكمال والخير المطلق لم يزل ولا يزال يدفع الإنسان إليه.
فإذا ما وجد الإنسان في نفسه ميلاً شديداً إلى العلم أو إلى الأخلاق أو الفن والجمال ، فإنّ هذا الميل إنّما هو شعبة نابعة من ذلك العشق للكمال ، وإشعاعة من إشعاعاته.
إنّ أوضح دليل على وجود مثل هذا العشق للكمال المطلق في باطن البشر هو أنّ أي كمال مادي لا يروي عطش الإنسان ولا يطفئ ظمأه.
فها هو الإنسان يسعى جهده ليبلغ إلى ما يريده من المناصب الرفيعة ، ويظل يطمح إلى ما هو أعلى وأعلى حتى إذا نال ما أراد ، فكّر في أن يسخّر قمة أعلى ممّا ناله وكلّما ازداد رقياً ازداد عطشاً وظمأ وطموحاً أكثر فأكثر.
كل هذا ـ لو تأملنا ـ دليل واضح على أنّ للإنسان ضالة ينشدها أبداً ،