مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٨٣ - الشيعة الإمامية وتهمة التفويض
إلى هنا استطعنا ـ بشكل واضح ـ أن نتعرف على حقيقة « العبادة » و « الشرك » ويلزم أن نستنتج من هذا البحث فنقول : إذا خضع أحد أمام آخرين وتواضع لهم ، لا باعتقاد أنّهم « آلهة » أو « أرباب » أو « مصادر للأفعال والشؤون الإلهية » بل لأنّ المخضوع لهم إنّما يستوجبون التعظيم ، لأنّهم ( عِبَادٌ مُكَرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) [١] فإنّ هذا الخضوع والتعظيم والتواضع والتكريم لن يكون عبادة قطعاً ، فقد مدح الله فريقاً من عباده بصفات تستحق التعظيم عندما قال :
( إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَىٰ العَالَمِينَ ) [٢].
وفي موضع آخر من القرآن صرح الله تعالى باصطفاء إبراهيم لمقام الإمامة ، إذ يقول تعالى :
( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) [٣].
وكل هذه الأوصاف العظيمة التي مدح الله بها : نوحاً وإبراهيم وداود وسليمان وموسى وعيسى ومحمداً ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ أُمور توجب نفوذهم في القلوب والأفئدة ، وتستوجب محبتهم واحترامهم حتى أنّ مودة بعض الأولياء فرضت علينا بنصِّ القرآن [٤].
فإذا احترم أحد هؤلاء ، في حياتهم أو بعد وفاتهم ، لا لشيء إلاّ لأنّهم عباد الله المكرمون ، وأولياؤه المقربون ، وعظمهم دون أن يعتقد بأنّهم « آلهة » أو « أرباب »
[١] الأنبياء : ٢٦ ـ ٢٧.
[٢] آل عمران : ٣٣.
[٣] البقرة : ١٢٤.
[٤] ( قُل لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) ( الشورى : ٢٣ ).