مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦ - مقدمة المؤلف القرآن كتاب القرون والأجيال
والحقّ يقال : انّ السير التكاملي للعلوم على مرّ الزمان لم يمنع علماء الطبيعة فحسب من إمكانية استنباط حقائق هامة وجديدة من القرآن في حقول العلوم الطبيعية ، بل وأتاح للمفسرين أيضاً إمكانية استخراج حقائق قرآنية هامة لم تكن معروفة من ذي قبل ، وذلك بفضل تطور المناهج العلمية المتداولة.
إنّ القرآن الكريم صدر من لدن حكيم خبير لا يحد ولا يتناهى ، ومقتضى السنخية بين الفاعل والفعل أن يكون في فعله أثر من ذاته ، فإذا كانت ذاته لا متناهية ولا أوّل لها ولا آخر ، فاللازم أن ينعكس شيء من كمالات الذات على الفعل أيضاً ، وإلى ذلك يشير رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في كلامه إذ يتحدّث حول أبعاد القرآن وأغواره ، فيقول :
« فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ، فانّه شافع مشفّع ، وماحل مصدَّق ، من جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو الدليل يدل على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفصل ليس بالهزل ، وله ظهر وبطن ، فظاهره حكم ، وباطنه علم ، ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، له نجوم ، وعلى نجومه نجوم ، لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة ، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة ، فليجل جالٍ بصره ، وليبلغ الصفة نظره ، ينج من عطب ، ويتخلّص من نشب ، فانّ التفكر حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور » [١].
كما أشار أمير المؤمنين علي عليهالسلام إلى هذه الأبعاد اللا متناهية ، وقال في معرض كلامه عن القرآن : « ثمّ أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه ، وسراجاً لا يخبو توقّده ، وبحراً لا يدرك قعره ، فهو ينابيع العلم وبحوره ، وبحراً لا ينزفه المستنزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون » [٢].
[١] الكافي : ٢ / ٥٩٩ ، كتاب فضل القرآن.
[٢] نهج البلاغة ، الخطبة رقم ١٩٨.