مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩١ - ١٠ دلائل وجود الله في الآفاق والأنفس
كلام ابن سينا
لقد قسّم ابن سينا في كتابه « الإشارات » وهو آخر مؤلفاته الفلسفية مضمون هذه الآية الثانية إلى قسمين :
القسم الأوّل قوله : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أنْفُسِهِمْ ) فيقول فيه ما حاصله : أنّها تعني انّنا سنهتدي من وجود آيات الله في الكون والأنفس إلى وجود الله ، فهو ينطوي على البرهان « الإنّي » وهو الاستدلال بوجود المعلول على وجود العلة كما نستدل بنزول المطر وصوت الرعد والبرق على وجود السحب الداكنة [١].
القسم الثاني من الآية وهو قوله : ( أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيء شَهِيدٌ ) ، ففي هذا القسم نكون قد توصلنا عن طريق شهود الله إلى معرفة صفاته ، ومن معرفة صفاته إلى أنّ له خلقاً ومخلوقات بهذه الصفة أو تلك [٢].
[١] ومما يجب التنبيه عليه هو أنّ الشيخ الرئيس قال في كتاب البرهان في منطق الشفاء : إنّ البرهان الإنّي مما لا يفيد اليقين ، وهو ما كان السلوك فيه من المعلول إلى العلّة لتوقف العلم بوجود المعلول على العلم بوجود العلة فلو عكس لدار.
وأمّا الاستدلال من الآيات الآفاقية والأنفسية على وجوده سبحانه وصفاته فعلى وجه آخر لا يسع المقام لبيانه.
[٢] والاستدلال فيه ليس لمّياً وهو الذي يسلك فيه من العلة إلى المعلول ، إذ ليس الواجب عز شأنه معلولاً ولا إنّياً ، وهو ما يسلك فيه من المعلول إلى العلة أو يتناسب مع السلوك من الآيات الآفاقية والأنفسية إلى خالقها ، بل هو نوع آخر شبيه بالاستدلال من بعض اللوازم على بعضها ، وهذا واضح خصوصاً إذا قررنا البرهان على الطريقة الصدرائية ، إذ فيها يسلك من كون الوجود حقيقة ثابتة بذاتها ، على كونه واجباً لذاته.
وإن شئت فسمّه برهاناً انياً تحفظاً على حصر البرهان في اللم والإن كما عليه سيدنا الأُستاذ العلاّمة الطباطبائي ـ دام ظله ـ في تعليقاته على الأسفار : ٦ / ٢٩.