مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥ - اعترافات علماء الاجتماع وأصالة التديّن
أن يستفيد من هذا الكنز العظيم الزاخر بالعبر والدروس.
ومن أجل ذلك راح الأنبياء العظام والمصلحون العالميون ، والحكماء والفلاسفة ، ومن ورائهم المربون الاجتماعيون وأساتذة الأخلاق ، والنفسانيون وغيرهم يلفتون نظر المجتمعات البشرية إلى « تاريخ الأسلاف » ويدعونهم إلى قراءته واستلهام الدروس منه ، وراح كل واحد من هذه الطوائف التي ذكرنا يستفيد من هذا الكنز العظيم ، أعني : التاريخ البشري ، ما أمكنه لإنجاح مهمته ، وأهدافه لما في التاريخ من أدلة وشواهد لما يقولون.
إنّ تصفح مثل هذا التاريخ ومطالعة حياة الأقوام والشعوب السالفة وعلل ظهور الحضارات « الواحدة والعشرين » [١] وأرضياتها وأُسسها ، وسيلة مطمئنة للباحث الذي يريد الاطلاع على جذور التديّن في قلوب البشر وفي تاريخه الطويل.
فالمتصفح في التاريخ البشري الطويل يرى كيف أنّ البشر اختار ـ طوال آلاف السنين وخلال هذه الحضارات المتنوعة ـ عشرات المناهج والأساليب لحياته ، ولكنّه سرعان ما كان ينبذها ويحذفها من حياته تماماً.
لقد كان البشر ولا يزال طالباً للجديد ، وخاضعاً لسنة التطور والتحول والتغير ففيما هو يوجد لنفسه ولحياته ، أو يختار ، برامج وأساليب جديدة لنظامه نجده من جانب آخر يلغي أُموراً ـ تبعاً للعوامل الطبيعية والظروف المحيطية والعنصرية ـ طالما دافع عنها وأحبها إلى درجة بذل النفس في سبيلها.
لكنَّ هناك أمراً واحداً بقي ثابتاً لا يتغير في قاموس الحياة البشرية ، رغم كل
[١] حسبما أحصاها بعض مؤرخي الحضارات.