مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣٩ - نقد هذا المذهب
وعندئذ يكون هو المسؤول عن أعماله وأفعاله ، وعلى هذا الأساس فالفعل مستند إلى الله سبحانه باعتبار أنّه أقدر عبده على الفعل وأنعم عليه ، كما أنّه مستند إلى عبده لكونه باختياره صرف القدرة والنعمة في أي مورد شاء ، وهذا هو مذهب الأمر بين الأمرين الذي تواترت عليه الأخبار عن أئمّة أهل البيت عليهمالسلام.
مذهب الإمام الأشعريإنّ هناك مذهباً آخر يعد مقابلاً للمذهب الماضي وهو المنسوب إلى الإمام الأشعري ، فهو لا يعترف إلاّ بمؤثر واحد وهو الله سبحانه وينكر علّية أي موجود سواه ، بل يقول جرت إرادة الله على خلق الحرارة بعد النار وخلق النور بعد الشمس وهذا هو ما أسموه بالعادة الإلهية.
فالعادة الإلهية جرت ـ حسب تلك النظرية ـ على ظهور الأثر عقيب وجود المؤثر ، دون مشاركة أو سببية للمؤثر في حصول ذلك الأثر مطلقاً.
ولكن هذه النظرية مرفوضة لمخالفتها الصريحة للبراهين العلمية والفلسفية ولصريح الآيات القرآنية حول تأثير العلل والأسباب الطبيعية في عالم الكون ، ونحن نرجئ بيان بطلان هذا الرأي من الناحية العلمية والفلسفية [١] إلى موضع آخر ، وإنّما نكتفي هنا ببيان بطلانه من وجهة نظر القرآن.
[١] نعم هذه النظرية تقارب ما نقل من الفيلسوف الإنجليزي المعروف : هيوم ، حيث إنّه أنكر مطلق العلية ولم يعترف حتى بعلّة واحدة ، وعلّل ذلك بأنّ التجربة لا تثبت إلاّ التوالي والتقارن بين النار وحرارتها والشمس وضوئها ، وهما غير العلّية أي نشوء شيء من شيء.
ولكنّه لما حصر أسباب المعرفة بالتجربة والاختبار عجز عن إثبات قانون العلية الذي تبتني عليه المعارف البشرية ، ولو رجع إلى البراهين الفلسفية التي أقامها الفلاسفة على أنّ كل ظاهرة ممكنة تحتاج إلى سبب يخرجها من نقطة الاستواء لظهر له الحق بأجلى مظاهره.