مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨٢ - وجود الشرك في التدبير بين الوثنيّين
وإدارته وتنظيم شؤونه ، وتصريفه والتصرف فيه.
٢. لقد دخلت الوثنية في مكة ونواحيها أوّل ما دخلت في صورة « الشرك في الربوبية » ، فقصة « عمرو بن لحي » دليل واضح على أنّ أهل الشام كانوا يعتبرون الأوثان والأصنام مدبّرة لجوانب من الكون.
يكتب ابن هشام في هذا الصدد :
كان « عمرو بن لحي » أول من أدخل الوثنية إلى مكة ونواحيها ، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثان ، وعندما سألهم عمّا يفعلون قائلاً : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها ؟
قالوا : هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا.
فقال لهم : أفلا تعطونني منها فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه.
وهكذا استحسن طريقتهم واستصحب معه إلى مكة صنماً كبيراً باسم « هبل » ، ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ، ودعا الناس إلى عبادتها [١].
إذن فاستمطار المطر من هذه الأوثان والاستعانة بها يكشف عن أنّ بعض المشركين كانوا يعتقدون بأنّ لهذه الأوثان مشاركة في تدبير شؤون الكون وحياة الإنسان.
على أنّه ينبغي أن لا يتصوّر أحد بأنّهم كانوا يعتبرون هذه الأصنام الحجرية والخشبية هي ذاتها المتصرّفة والمدبِّرة للكون ليقال : ليس هناك من جاهل ـ فضلاً عن عاقل ـ يقول بأنّ هذه الأصنام الجامدة تكون منشأ كل هذه الآثار والحوادث ، بل الحق أنّهم كانوا يعتقدون بأنّ هذه الأصنام الخشبية تمثّل صور الآلهة المدبّرة لهذا
[١] سيرة ابن هشام : ١ / ٧٩.