مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٦ - المعنى الآخر لفطرية الإيمان بالله
ويبحث عنها باستمرار وقد كان يظنها في الكمالات المادية المزيجة بالنقائص والشرور وأنّها قادرة على إرواء ظمئه وغليله ، ولكنَّه كلّما خطا خطوة جديدة إلى الإمام رأى خلاف ما كان يتصوره ويتوقعه ، ووجده دون ما يهواه ويعشقه.
إنّ عشق الكمال المطلق لدليل ـ حقاً ـ على وجود مثل هذا الكمال ، ولدليل أيضاً على وجود رابطة قائمة بين الإنسان والكمال ذاك.
إنّ الوصول إلى ذلك الكمال وبلوغه يحتاج إلى تفكّر وتدبّر ، وإلى السير في الطريق المؤدّي إليه ، وإلى الرياضة الدؤوبة التي تشعل الجذوة الكامنة في أعماق النفس وتوجد في حناياه شغفاً أكبر وعطشاً أعمق ، وتحوله بالتالي من باحث عن الله إلى واجد لله ، ثم يتحول وجدانه لله إلى الشهود ، واليقين الذي لا ينفذ إليه شك ، ولا يتسلل إليه تردد وارتياب.
إنّ هذا الشهود ليس برؤية العين بل بعين البصيرة التي نوّه عنها في كلام الإمام علي عليهالسلام إذ قال :
« لم تدركه العيون بمشاهدة العيان ، بل تدركه القلوب بحقائق الإيمان » [١].
إنّ اليقين الحاصل للسالك والعارف في مسألة « وجدان الله » لهو أعلى من اليقين الحاصل من استخدام الجوارح والحواس ، انّه نور لا ظلمة فيه ، ويقين لا شك فيه ، ولا تردد ولا احتمال ولا ظن.
والآن ما هو طريق الوصول إلى مثل هذا الكمال واليقين المطلق والشهود الأعلى ؟
إنّ القرآن الكريم يشير بنحو ما إلى هذا الطريق في آية ، إذ يقول :
[١] نهج البلاغة : شرح محمد عبده ، خطبة ١٧٤.