مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٧٣ - هل يكون طلب الإشفاء والشفاعة والإعانة من الصالحين ودعوتهم شركاً
إنّ الاستعانة بالعوامل غير المستقلة المستندة إلى الله ، التي لا تعمل ولا تؤثر إلاّ بإذنه تعالى ليس فقط غير موجبة للغفلة عن الله ، بل هو خير موجه ، ومذكر بالله ، إذ معناها : انقطاع كل الأسباب وانتهاء كل العلل إليه.
ومع هذا كيف يقول صاحب المنار : « أُولئك عن ذكر الله معرضون » ولو كان هذا النوع من الاستعانة موجباً لنسيان الله والغفلة عنه للزم أن تكون الاستعانة بالأسباب المادية الطبيعية هي أيضاً موجبة للغفلة عنه.
على أنّ الأعجب من ذلك هو شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت الذي نقل ـ في هذا المجال ـ نص كلمات عبده دون زيادة ونقصان ، وختم المسألة بذلك ، وأخذ بظاهر الحصر في ( إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) غافلاً عن حقيقة الآية وعن الآيات الأُخرى المتعرضة لمسألة الاستعانة. [١]
نقد نظر ثالث
وهناك رأي آخر يتوسط بين الرأيين وهو أنّه تجوز الاستعانة بالأسباب الطبيعية في الحوائج الحيوية ، ولا تجوز الاستعانة بالأسباب غير العادية إلاّ إذا كان بصورة التوسل والاستشفاع إلى الله سبحانه.
وهذا القول وإن كانت عليه مسحة من الحق ولمسة من الصدق إلاّ أنّه ليس عينه.
فإنّ المنع عن الاستعانة بالأسباب غير العادية لماذا ؟ إن كان لأجل كونه مستلزماً للشرك ، فالمفروض عدمه ، إذ المستعين إنّما يستعين ، باعتقاد أنّ المستعان إنّما يعين بالقدرة المعطاة له من الله سبحانه ، ويعملها بإذنه ومشيئته ، وطلب
[١] راجع تفسير شلتوت : ٣٦ ـ ٣٩.