مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥٥ - لماذا يؤكد القرآن على التوحيد في الخالقية
وبذلك يظهر أنّ للعموم الحاكم على المتعلّق في الآيات ، أعني قوله تعالى : ( كُلَّ شَيْءٍ ) ، وإضرابه دليلاً على أنّ المقصود حصر مطلق الخلق المتعلّق بالذوات والأفعال بالله سبحانه.
ثالثاً : انّ المقصود من التوحيد في الخالقية هو التوحيد في التأثير والإيجاد سواء أصح إطلاق الخلق عليه أم لا. [١] والمراد أنّ كل موجود ممكن غير مستقل في ذاته غير مستقل في فعله وتأثيره أيضاً ، لأنّ غير المستقل في الذات والقوى والطاقات غير مستقل في أعمال هذه القوى والاستفادة من هذه الطاقات ، إلاّ أنّ كون الفاعل غير مستقل ليس بمعنى كونه مجبوراً ومضطراً في أعمال هذه القوى والطاقات ، بل هو مخير في أعمالها على أي نحو شاء.
وتظهر حقيقة هذا المعنى بالتدبّر في الآيات التي تصف الله تبارك وتعالى بالقيومية كما في قوله سبحانه : ( اللهُ لاَ إِله إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ ) [٢]. [٣]
فإنّ معنى القيومية ليس إلاّ قيام ما سواه ـ من ذات وفعل ومؤثر وأثر ـ به سبحانه ومعه كيف يمكن أن نصف الموجودات الإمكانية بالاستقلال في الفاعلية والتأثير.
سؤال في المقامإذا كان المشركون لا يشكّون في موضوع « التوحيد في الخالقية » ، فلماذا نجد
[١] نعم عند ذاك لا تصلح الآيات الحاصرة للخلق بالله سبحانه للاستدلال في المقام إلاّ بضرب من التأويل ، ولابد من الاستدلال بالآيات التي تحصر القيومية بالله سبحانه وغيرها من الآيات.
[٢] البقرة : ٢٥٥ ، وآل عمران : ٢.
[٣] وقوله سبحانه : ( وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ ) ( طه : ١١١ ).