مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٧ - القرآن وسريان الشعور في الجمادات
( لَوْ أَنْزَلْنَا هٰذَا القُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعَاً مُتَصَدِّعَاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ) [١].
ولا ريب أنّنا لو تجرّدنا عن آرائنا الشخصية حول الآيات القرآنية ، لوجب علينا أن نقول : إنّ هذه الجبال لابدّ أنّها تنطوي على قابلية الخشوع والتصدّع لكي يصح أن يتوجه إليها الخطاب الإلهي القرآني.
إذ ليس من المعقول أن ينسب القرآن الكريم ـ وليس من شأنه المبالغة الكاذبة ـ هذا النوع من الحالة ( أي حالة الخشوع ) إلى ما لا يكون قابلاً لها.
وربّما يحتمل أنّ الآية كناية عن عظمة القرآن وجلالة قدره ، بدليل انّه لو أنزله الله على جبل لخشع وتصدّع ، ولا يستلزم هذا إثبات قابلية الشعور في الجبال.
غير انّ الإجابة على هذا الاحتمال واضحة جداً ، فإنّ هذا التفسير مبني على ما سلّم به القائل مسبقاً من أنّه لا شعور في الجبال ، ولذلك عاد ففسر الآية على ما بنى عليه.
ولو تخلّى عن هذه الفكرة ـ كما قلناه آنفاً ـ ودرس الآية بدون فكرة سابقة لوقف على أنّ الآية مع دلالتها على عظمة القرآن تدل أيضاً على وجود شعور في الجبال ، وقابلية للخضوع والخشوع الحقيقيين لديها.
وليست دلالة الآية على عظمة القرآن مانعة عن دلالتها على الأمر الثاني.
ويستفاد وجود مثل هذا الشعور والوعي في الجبال من بعض الآيات الأُخرى عندما تقول :
( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ ) [٢].
[١] الحشر : ٢١.
[٢] إبراهيم : ٤٦.