مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٤٥ - هل العبادة هي مطلق الخضوع ؟
( ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * أَرَأَيْتَكَ هٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ) [١] ، فأخبر إبليس أنّ امتناعه من السجود لأجل ما كان من تفضيل الله وتكرمته بأمره إيّاه بالسجود له ، ولو كان الأمر بالسجود له على أنّه نصب قبلة للساجدين من غير تكرمة له ولا فضيلة لما كان لآدم في ذلك حظ ولا فضيلة تحسد كالكعبة المنصوبة للقبلة [٢].
وعلى هذا فمفهوم الآية هو أنّ الملائكة سجدوا لآدم بأمر الله سجوداً واقعياً ، وانّ آدم أصبح مسجوداً للملائكة بأمر الله ، وهنا أظهر الملائكة من أنفسهم غاية الخضوع أمام آدم ، ولكنهم ـ مع ذلك ـ لم يكونوا ليعبدوه.
وما ربما يتصور من أنّ سجود الملائكة لما كان بأمره سبحانه صح سجودهم له ، إنّما الكلام في الخضوع الذي لم يرد به أمر ، فسيوافيك الجواب عن هذا الاحتمال الذي يردّده كثير من الوهابيين في المقام.
انّ القرآن يصرح بأنّ أبوي يوسف وإخوته سجدوا له ، حيث قال :
( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَىٰ العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وقَالَ يَا أَبَتِ هٰذَا تَأْويلُ رُؤيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقّاً ) [٣].
ورؤياه التي يشير إليها القرآن في هذه الآية هو ما جاء في مطلع السورة :
( إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشَّمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) [٤].
وقد تحققت هذه الرؤيا بعد سنوات طويلة في سجود أخوة يوسف وأبويه
[١] الإسراء : ٦١ ـ ٦٢.
[٢] أحكام القرآن : ١ / ٣٠٢.
[٣] يوسف : ١٠٠.
[٤] يوسف : ٤.