مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٩ - النظرية الثانية
منذ أن كان موجوداً ذرياً صغيراً في رحم أُمّه .. وكأنّ أوّل خلية إنسانية تستقر في رحم الأُم تنطوي على هذه الوديعة الإلهية وهي « غريزة الميل والانجذاب إلى الله ».
وإذا أردنا أن نتحدث عن ذلك بلغة العلوم الطبيعية لزم أن نقول :
إنّ جينات الخلية لدى كل إنسان تحمل بين جوانحها هذه الخاصية الروحية ، وإنّ هذه الخاصية تنمو وتتكامل مع تكامل الخلية ونموها.
هذا مضافاً إلى أنّ هذه النظرية تنطبق مع ما جاء في حديث معتبر السند من أنّ عبد الله بن سنان يقول سألت أبا عبد الله ـ الصادق ـ عليهالسلام ، عمّا هو المقصود من الفطرة ؟ فقال :
« هي الإسلام فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد ، قال : ألست بربكم وفيه المؤمن والكافر » [١].
وإنّ للشريف الرضي كلاماً لعله يشير إلى أنّه اختار هذه النظرية إذ قال :
« إنّه تعالى لما خلقهم وركبهم تركيباً يدل على معرفته ويشهد بقدرته ، ووجوب عبادته ، وأراهم العبر والآيات ، والدلائل في أنفسهم وفي غيرهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم وكانوا في مشاهدة ذلك ومعرفته ـ على الوجه الذي أراده الله تعالى وتعذر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته ـ بمنزلة المقر المعترف وان لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة ، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى : ( ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَىٰ السَّمَاءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) [٢] وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة ولا منهم جواب ، ومثله
[١] تفسير البرهان : ٣ / ٤٧ في تفسير آية ( فِطْرَة الله ) الحديث ٧.
[٢] فصلت : ١١.