مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٦ - دوافع الشرك في العبادة
جانب ، ومن جانب آخر اعتاد على التعامل مع الموجودات المحسوسة فيريد صبَّ كلِّ أمر في قالب المحسوس.
وعلى هذا الأساس يريد المشرك أن يصبَّ القوى الغيبية في صورة الأجسام المشاهدة ، والأشكال المنظورة ، أضف إلى ذلك أنّه لقصور فكره ، أو لتصوّر أنّ كل حادثة في هذا الكون أُنيطت إلى قوّة قاهرة هي أيضاً مخلوقة لله كإله البحر ، وإله الحرب ، وإله السلام ، وكأنّ حكومة الكون مثل حكومات الأرض يفوض فيها كل جانب من جوانب الحياة إلى واحد ، وتكون هذه القدرة مختارة فيما تريد ، وفعالة لما تشاء !!
من أجل هذا عبد سكنة شواطئ البحار إله البحر ، لكي يجود عليهم بنعم البحر ويدفع عنهم آفاته وغوائله ، كالطوفان ; فيما عبد سكنة الأراضي والصحارى إله البر ، ليفيض عليهم بمنافعها ، ويدفع عنهم مضارها ، كالزلزال وما شابه ذلك من آفات الأرض ، وغوائل الصحراء.
ولكن حيث إنّهم ما كانوا متمكنين من رؤية هذه الآلهة التي توهموها واخترعوها ، فافترضوا لها صوراً خيالية ، وأشكالاً وهمية ، ونحتوا على غرارها تماثيل وأصناماً ، وراحوا يعبدون هذه الأصنام المصنوعة بدلاً عن عبادة القوى الغيبية نفسها التي تمثلها هذه الأصنام ـ كما في زعمهم ـ.
لهذا السبب كان بين عرب الجاهلية فريق يعبد الملائكة ، وفريق آخر يعبد الجن ، وثالث يعبد الكواكب الثابتة كالشعرى ، ورابع يعبد الكواكب السيارة ، وكان الهدف من عبادتها ـ جميعاً ـ هو جلب خيرها ونفعها ، واجتناب ضررها وشرورها.
ولقد كانوا يتمتعون ـ في صنع التماثيل والأصنام ـ بسعة نظر خاصة ، فهم لم