مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٧٠ - هل يكون طلب الإشفاء والشفاعة والإعانة من الصالحين ودعوتهم شركاً
فالمعين الحقيقي في كل المراحل ـ على هذا النحو تماماً ـ هو الله فلا يمكن الاستعانة بأحد باعتباره معيناً مستقلاً ، لهذه الجهة حصرت مثل هذه الاستعانة بالله وحده ، ولكن هذا لا يمنع بتاتاً من الاستعانة بغير الله باعتباره غير مستقل ( أي باعتباره معيناً بالاعتماد على القدرة الإلهية ) ، ومعلوم أنّ استعانة ـ كهذه ـ لا تنافي حصر الاستعانة بالله سبحانه لسببين :
أوّلاً : لأنّّ الاستعانة المخصوصة بالله هي غير الاستعانة بالعوامل الأُخرى ، فالاستعانة المخصوصة بالله هي : ما تكون باعتقاد أنّه قادر على إعانتنا بالذات ، وبدون الاعتماد على غيرها ، في حين أنّ الاستعانة بغير الله سبحانه إنّما هي على نحو آخر ، أي مع الاعتقاد بأنّ المستعان قادر على الإعانة مستنداً على القدرة الإلهية ، لا بالذات ، وبنحو الاستقلال ، فإذا كانت الاستعانة ـ على النحو الأوّل ـ خاصة بالله تعالى ، فإنّ ذلك لا يدل على أنّ الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضاً.
ثانياً : أنّ استعانة ـ كهذه ـ غير منفكة عن الاستعانة بالله ، بل هي عين الاستعانة به تعالى ، وليس في نظر الموحّد ( الذي يرى أنّ الكون كله من فعل الله ومستند إليه ) مناص من هذا.
وممّا سبق يتبيَّن لك أيها القارئ الكريم ما في كلام ابن تيمية من الإشكال ، إذ يقول :
أمّا من أقرّ بما ثبت بالكتاب والسنّة والإجماع من شفاعته صلىاللهعليهوآلهوسلم والتوسّل به ونحو ذلك ، ولكن قال : لا يدعى إلاّ الله وإنّ الأُمور التي لا يقدر عليها إلاّ الله فلا تطلب إلاّ منه ، مثل غفران الذنوب وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك ، فهذا مصيب في ذلك ، بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين