مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٤ - ٦ برهان حاجة المصنوع إلى الصانع
وهل ذنب هؤلاء ليس سوى إعراضهم عن عبادة الله وحده ، وعبادة الأصنام التي ظنوا أنَّها شفعاء لا أكثر.
أفليس مقتضى البلاغة في المقام هو صب الحديث على معتقداتهم التي هم عليها ، لا النقاش فيما لم يكن عندهم بموضع نزاع .. بل كان موضع اتفاق ( أعني : وجود الله الواحد ).
انّ الجواب على هذا السؤال هو ما قلناه ، وبينّاه في قوله تعالى : ( أَفِي اللهِ شَكٌّ ).
فهناك قلنا : بأنّ القرآن الكريم يحاول بطرح هذه التساؤلات أخذ الاعتراف من ضمائرهم وتحريك ما هو كامن في فطرتهم لأجل إيقاظها وتنبيهها ، كمقدمة لأخذ نتيجة أُخرى.
إنّ القرآن يسعى من خلال الاستفادة من المقدمة المسلم بها التي تنطوي عليها ضمائر القوم وهي « اعترافهم بوجود الله الواحد » أن يمهد لدعوتهم إلى عبادة الله الواحد ، وهدايتهم إلى توحيد العبادة.
فبأخذ هذا الاعتراف منهم ( نعني الاعتراف بأنّه لا خالق ولا مدبّر لهم إلاّ الله ، وأنّه الخالق المدبّر الوحيد الذي منه وجود وتدبير كل الكائنات على الإطلاق ).
أقول : بأخذ هذا الاعتراف يوجه القرآن ضربة قاضية إلى مسلكهم المنحرف في العبادة ، لأنّه إذا كان الخالق والمدبّر واحداً لا أكثر .. وإذا كان هذا الخالق والمدبّر هو الوحيد الذي استمدت منه كل الموجودات ( من إنسان وغيره ) وجودها وتدبيرها ، فإذن لابد من عبادته وحده ، والكف عن عبادة غيره من الموجودات