مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٩ - ١٣ الحيوانات والهداية الإلهية
الحية ؟
وهل هذا إلاّ تفسير قول النبي موسى عليهالسلام ، إذ قال : ( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) ؟
يبقى أن نعرف أنّنا نستطيع استنتاج وجود مثل هذا الإلهام والوحي والتوجيه الإلهي الموجّه إلى الحيوانات من قول موسى عليهالسلام ، إذ يذكر في كلامه أوّلاً ما يتعلّق بالجانب الخلقي الغريزي في الحيوانات بقوله :
( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ).
ثم أشار إلى ذلك الإلهام والوحي الإلهي بقوله :
( ثُمَّ هَدَىٰ ).
بتقريب أنّ في الفصل بين الجملتين ( أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ) و ( هَدَىٰ ) ب ( ثُمَّ ) التي هي للعطف المتراخى المتأخّر ، دلالة أدبية على أنّ هذه الهداية لم تخلق مع الحيوانات والحشرات بنحو فطري وجبلي ، بل هي هداية تصل إلى الحشرات عندما تحتاج إلى مثل هذه الهداية وعندما تواجه ما يضطرها إلى مثل هذا التوجيه والإرشاد الربانيّين ، فحينئذ تأتيها هذه الهداية وينزل إليها ذلك الوحي والإلهام.
إنّنا نستطيع أن نكتشف آثار هذه الهداية وهذا الالهام في عالم الحشرات بجلاء ووضوح ، إذا قايسناها بوليد الإنسان الذي لا يعرف شيئاً عندما يولد ، ولا يمكنه أن يقوم بأي عمل إلاّ بعد مدة من التربية والرشد ، وإلاّ بعد فترة من التعلم والدراسة ، وتلقّي المعلومات والمعارف في المدارس والمعاهد ، وإلاّ بعد سلسلة طويلة من التجارب والأخطاء والهفوات.