مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٩١ - هل للرب معان مختلفة ؟
قلناه في الآية المتقدّمة المشابهة لما نحن فيه ، إذ لو كان الرب بمعنى الخالق لما كان لذكر جملة ( الَّذِي خَلَقَكُمْ ) وجه ، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الرب يعني المدبر ، فتكون جملة ( الَّذِي خَلَقَكُمْ ) علّة للتوحيد في الربوبية ، إذ يكون المعنى حينئذ هو : أنّ الذي خلقكم هو مدبِّركم.
ج. ( قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) [١].
وهذه الآية حاكية عن أنَّ مشركي عصر الرسالة كانوا على خلاف مع الرسول الكريم صلىاللهعليهوآلهوسلم في مسألة الربوبية على نحو من الأنحاء ، وأنّ النبي الأعظم كان مكلّفاً بأن يفنّد رأيهم ويبطل عقيدتهم ولا يتخذ غير الله رباً على خلاف ما كانوا عليه ، ومن المحتم أنّ خلاف النبي مع المشركين لم يكن حول مسألة « التوحيد في الخالقية » بدليل أنّ الآيات السابقة تشهد في غير إبهام بأنّهم كانوا يعترفون بأنّه لا خالق سوى الله تعالى ، ولذلك فلا مناص من الإذعان بأنّ الخلاف المذكور كان في غير مسألة الخالقية ، وليست هي إلاّ مسألة تدبير الكون ، بعضه أو كلّه.
د. ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذا غَافِلِينَ ) [٢].
فقد أخذ الله في هذه الآية ـ من جميع البشر ـ الإقرار بالتوحيد الربوبي ، وكانت علّة ذلك هي ما ذكره من أنّه سيحتج على عباده بهذا الميثاق يوم القيامة ، كما يقول :
( أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ
[١] الأنعام : ١٦٤.
[٢] الأعراف : ١٧٢.