مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٧١ - الشر أمر نسبي
في شأنه هذا « أصغر » وهذا « أكبر » أو هذا « صغير » وذاك « كبير » ، فإنّ الصغر والكبر وصفان لا يصدقان على شيء إلاّ بعد مقارنته بشيء آخر ، فالكرة الأرضية ـ مثلاً ـ إنّما يمكن وصفها بالصغر والكبر ويقال الكرة الأرضية « صغيرة » أو « كبيرة » إذا ما قيست بكرة الشمس والقمر فحينئذ يصح قولنا : الكرة الأرضية أصغر من الشمس وأكبر من القمر ، فالصغر والكبر ليسا وصفين حقيقيين بالنسبة إلى الأرض بحيث يدخلان في حقيقة الأرض وإلاّ لما أمكن وصفها بوصفين متضادين ، بل هما وصفان نسبيان وحالتان للأرض يعرضان لها كلّما قيست إلى الكرتين « الشمس والقمر » ويمكن وصف الأرض بهما في تلك الحالة ، وبذلك لا يكون هذان الوصفان حقيقيين.
من هذه المقارنة والبيان يمكن استنباط نتيجة فلسفية هامة ، وهي : انّ « الصفات الحقيقية » على غرار موصوفاتها التي تتمتع بواقعية لا تنكر على صعيد الخارج ، إنّما تحتاج إلى جاعل وخالق.
وأمّا الصفات النسبية حيث إنّ ـ ها ليست بذات واقعية خارجية ، بل هي وليدة الذهن ، ونتيجة أفكارنا لدى المقايسة لا تكون محتاجة إلى الخالق والموجد ، إذ لا واقعية خارجية لها حتى تكون محتاجة إلى موجد.
إنّ حياة الخلية أو وصف المتر بكونه مائة سنتيمتر من الأُمور التي تتمتع بالواقعية الخارجية ، فما لم يكن وراؤهما واقعية أُخرى ( ونعني الخالق ) ، لما تحقّقا على صعيد الخارج ، ولما كان لهما حظ من الوجود خارج عالم الذهن حسب قانون العلية.
ولكن الصغر والكبر في المقابل بالنسبة إلى الأرض ليسا لهما واقعية خارج الذهن لكي يحتاجان إلى الخالق والموجد.