مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٧١ - الشيعة الإمامية وتهمة التفويض
هذا ومن الجدير بالذكر أنّ مشركي عهد الرسالة كانوا يعتقدون لآلهتهم نوعاً من الاستقلال في الفعل ، وكانوا يتوجهون إليها على هذا الأساس ، وقد مرّ أنّ عمرو بن لحي عندما سافر من مكة إلى الشام ورأى أُناساً يعبدون الأصنام فسألهم عن سبب عبادتهم لها فقالوا له :
هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا [١].
وقد كان ثمة فريق من الحكماء يعتقدون بأنّ لكل نوع من الأنواع « رب نوع » فوض إليه تدبير نوعه ، وسلمت إليه إدارة الكون التي هي من شأن الله ومن فعله تعالى ، كما أنّ عرب الجاهلية الذين عبدوا الملائكة والكواكب ـ سياراتها وثوابتها ـ إنّما كانوا يعبدونها ، لأنّ أمر الكون وأمر تدبيره قد فوّض إليها ـ كما في زعمهم ـ وإنّ الله عزل عن مقام التدبير عزلاً تامّاً ، فهي مالكة التدبير دون الله ، وبيدها هي دونه ناصية التصرّف ، ولهذا كان يعتبر أيُّ خضوع يجسد هذا الإحساس عبادة ، وسيوافيك عقائد العرب الجاهليين حول معبوداتهم.
القسم الثاني من التفويض
إذا اعتقدنا بأنّ الله سبحانه فوّض إلى أحد مخلوقيه بعض شؤونه كالتقنين والتشريع ، والشفاعة والمغفرة فقد أشركناه مع الله ، وجعلناه نداً له سبحانه ، كما يقول القرآن الكريم :
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ ) [٢].
ولا ريب أنّ الموجود لا يقدر أن يكون نداً لله سبحانه ، إلاّ إذا كان قائماً
[١] سيرة ابن هشام : ١ / ٧٩. وقد مر مفصل هذه القصة في الفصل الثامن : ٣٨٢ من هذا الكتاب.
[٢] البقرة : ١٦٥.